بين السلامة الطرقية وحرب الأعصاب هل آن أوان مراجعة فلسفة المراقبة الطرقية؟

بين السلامة الطرقية وحرب الأعصاب هل آن أوان مراجعة فلسفة المراقبة الطرقية؟

سليمة فراجي

حدثني أحد الأصدقاء أنه قرر قضاء عطلة نهاية الأسبوع بمدينة السعيدية رفقة أسرته هربًا من ضغط العمل، بحثًا عن شيء من الراحة والاستجمام. لكن الرحلة تحولت إلى مصدر توتر بعدما اضطر لأداء مخالفات سير أثرت على ميزانيته البسيطة، وأعقبتها مراقبات متكررة وحرب أعصاب جعلته يقول في النهاية: “كان بقائي في البيت أرحم”.

وحدثني آخر أنه أصبح يتردد كثيرًا قبل السفر إلى مدينة الناظور، ورأس الماء رغم عشقه لمطاعم السمك المعروفة هناك، ليس بسبب بُعد المسافة ولا غلاء الوقود، بل بسبب كثرة حواجز المراقبة التي تجعله يشعر أن الرحلة اختبار نفسي أكثر منها نزهة عائلية.

أما الثالث، فقد خرج صباحًا إلى السعيدية لشراء “إسفنج” لأطفاله، في طريق شبه فارغ من السيارات، فإذا به يتفاجأ بمخالفة سرعة لأنه كان يسير بـ67 كيلومترًا بدل 60. فانتظر تحرير المخالفة اكثرمن ساعة لم يحتج، ولم ينكر الخطأ، لكنه عاد وهو يقسم أن يقضي عطلة نهاية الأسبوع داخل منزله بدل التنقل والسفر.

وطبعًا، لا أحد يعارض قانون السير، ولا يمكن لأي عاقل أن يبرر السرعة المفرطة، لأن حوادث السير تحصد الأرواح وتتسبب في مآسٍ مؤلمة يوميًا. فالسلامة الطرقية ضرورة، واحترام القانون واجب على الجميع.

لكن الإشكال الذي يطرحه كثير من المواطنين ليس في مبدأ المراقبة، بل في أسلوبها وكثافتها أحيانًا، خاصة عندما يتحول السفر بين المدن إلى حالة من الترقب والضغط النفسي، حتى بالنسبة لمن يحترمون القانون ولا يرتكبون أي مخالفة.

أحيانًا قد لا تكون متجاوزًا للسرعة، ولا مخالفًا لأي قانون، ومع ذلك تضيع وقتًا طويلًا في تقديم أوراق السيارة عند أكثر من حاجز، بينما لديك موعد عمل أو جلسة المحكمة في الناظور على الساعة التاسعة صباحًا.

وأتذكر كيف كان مجرد ترقيم السيارة كافيًا أحيانًا لإثارة الانتباه؛ ففي الرباط قد تخضع سيارة تحمل ترقيم الشرق للمراقبة، ( خاصة في السابق ) وفي الشرق قد يثير ترقيم الرباط أو الدار البيضاء نفس الفضول الأمني. وربما يكون ذلك في إطار العمل الاعتيادي، لكنه يترك لدى بعض المواطنين شعورًا بعدم الارتياح.

الأكثر من ذلك أن بعض مستعملي الطريق السيار أصبحوا يتجنبون التوقف في مدن الاستراحة، مثل واد أمليل وغيرها، بسبب الخوف من مراقبة دقيقة للسرعة أو من ضياع الوقت في الحواجز، وهو ما يشتكي منه بعض أرباب المطاعم والمقاهي الذين تضررت تجارتهم بسبب تراجع توقف العابرين.

لذلك يطرح المواطن سؤالًا مشروعًا: إذا كانت هناك رادارات ثابتة، وإذا كانت الدولة تتجه نحو الرقمنة وتحديث الإدارة، فلماذا لا يتم توسيع الاعتماد على المراقبة الإلكترونية الذكية، وتسجيل المخالفات تلقائيًا، مع إشعار المخالف وأداء الغرامة وحذف النقط إلكترونيًا، دون الحاجة إلى هذا العدد الكبير من الحواجز؟

ففي العديد من الدول، أصبح احترام قانون السير مرتبطًا بمنظومة رقمية دقيقة وشفافة، تضمن هيبة القانون من جهة، وتحافظ على راحة المواطنين وانسيابية التنقل من جهة أخرى.

إن المواطن المغربي لا يطلب الفوضى، ولا يرفض المراقبة، بل يريد فقط أن يسافر وهو يشعر بالطمأنينة لا بالتوجس، وبأن الطريق فضاء للتنقل الآمن لا مدعاة للتوتر والقلق .

*محامية وبرلمانية سابقة 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *