دِبْلُومَاسِيَّةُ الْأَمْنِ: لِمَاذَا يَرْبَحُ الْمَغْرِبُ ثِقَةَ أُورُوبَّا وَتَخْسَرُهَا الْجَزَائِرُ؟.. الْمَغْرِبُ وَالْجَزَائِرُ فِي الْمِيزَانِ الْفَرَنْسِيِّ.. شَرَاكَةٌ اسْتْرَاتِيجِيَّةٌ فِي مُوَاجَهَةِ سِيَاسَةِ “الْإِسْقَاطِ”
عبدالقادر كتـــرة
في مشهد جيوسياسي متسارع، أصبحت العواصم الأوروبية، وعلى رأسها باريس، تقيّم شركاءها في جنوب المتوسط بناءً على معيارين أساسيين: الموثوقية الأمنية واحترام السيادة.
وفي الآونة الأخيرة، طفت على السطح أحداث متزامنة قدمت صورة بالغة الوضوح للتناقض الصارخ في مسارات دول الجوار المغاربي.
ففي الوقت الذي أشادت فيه السلطات الفرنسية بتعاون المغرب في توقيف شبكات إجرامية خطيرة، كانت الأجهزة الأمنية الفرنسية تفكك ما يُعرف بـ “مافيا DZ” الجزائرية، وسط تقارير مقلقة عن تورط دبلوماسيين جزائريين في عمليات تجسس وملاحقة للمعارضين على الأراضي الفرنسية.
المغرب.. شريك استراتيجي وصمام أمان
لم يكن إشادة المسؤولين الفرنسيين بتوقيف 16 مشتبهاً بهم بفضل التعاون المغربي وليد الصدفة، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من التنسيق الأمني والقضائي المؤسساتي بين الرباط وباريس.
لقد نجح المغرب في ترسيخ صورته كـ “مُصدّر للأمن” وشريك لا غنى عنه في مكافحة الإرهاب، وتفكيك شبكات المخدرات، والجريمة المنظمة العابرة للقارات.
هذا النموذج المغربي يعتمد على احترام القوانين الدولية، تفعيل مذكرات الإنتربول، والشفافية في تبادل المعلومات الاستخباراتية. والنتيجة المباشرة لهذا النهج هي تراكم رصيد من الثقة الدبلوماسية، والذي يُترجم اليوم إلى مكاسب سياسية كبرى، أبرزها الدعم الفرنسي والأوروبي المتزايد للقضايا الاستراتيجية المغربية.
الجزائر.. أزمات داخلية تعبر الحدود وسياسة “الإسقاط”
على النقيض من ذلك، يعكس المشهد القادم من الجزائر أزمة هيكلية تتجاوز حدودها الوطنية. فتفكيك الشبكات الإجرامية المرتبطة بـ “مافيا DZ” في فرنسا يسلط الضوء على تداعيات الاحتقان الاقتصادي والاجتماعي الذي يدفع الشباب نحو الهجرة غير الشرعية والانخراط في الجريمة المنظمة.
وما يزيد الطين بلة، هو توجيه الأجهزة الاستخباراتية الجزائرية لبوصلتها نحو الخارج لتصفية حسابات سياسية.
إن تحويل البعثات الدبلوماسية إلى منصات للتخطيط لاختطاف المعارضين ونشطاء “الحراك” في أوروبا، يمثل انتهاكاً صارخاً للأعراف الدبلوماسية وسيادة الدول المضيفة.
ولعل من المفارقات الصارخة التي تعكس حالة التخبط الدبلوماسي، هو إصرار النظام الجزائري على التمسك بأسطوانة اتهام المغرب بـ”التجسس”، متجاهلاً بشكل تام التصريحات الرسمية للمسؤولين الفرنسيين والأجهزة المختصة التي برأت الرباط بشكل قاطع من هذه الادعاءات.
هذا التناقض يكشف عن ممارسة واضحة لسياسة “الإسقاط” المزدوج؛ فالجزائر تتهم جارها باطلاً بما تمارسه هي فعلياً وبشكل موثق على الأراضي الفرنسية من عمليات تجسس حقيقية وانتهاك للسيادة.
هذا السلوك لا يعكس قوة، بل يكشف عن محاولة يائسة للتغطية على فضائحها الاستخباراتية، وتصدير الأزمات للهروب من الاستحقاقات التنموية والسياسية في الداخل.
تداعيات جيوسياسية ومسارات متباعدة
هذا التناقض في السلوك الدولي له تداعيات عميقة على مستقبل المنطقة:
– العزلة مقابل الاندماج: بينما يندمج المغرب بقوة في شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الفضاء الأورومتوسطي، تخاطر الجزائر بتعميق عزلتها الدبلوماسية. فالدول الغربية لا تتسامح طويلاً مع الأنشطة الاستخباراتية غير المشروعة على أراضيها، مما قد يُعرض الجزائر لأزمات دبلوماسية متعاقبة.
– غياب التكامل الإقليمي: استمرار هذا التباين يوجه ضربة قاضية لأي آمال في إحياء التعاون المغاربي، ويترك منطقة الساحل والصحراء عرضة للتهديدات الأمنية في ظل غياب تنسيق إقليمي فعال.
– سباق التحالفات: في محاولة لتعويض تراجع أسهمها في أوروبا، قد تجد الجزائر نفسها مدفوعة نحو تحالفات استقطابية مع قوى أخرى، مما يُنذر بتحويل شمال أفريقيا إلى ساحة صراع نفوذ وتوتر متزايد.
ختاما، في عالم تُحكمه البراغماتية والمصالح العليا، أصبح الخط الفاصل بين حليف موثوق وعبء دبلوماسي واضحاً. الدول التي تُقدم حلولاً أمنية وتلتزم بالقانون الدولي تحجز مقعدها في صدارة المشهد الدبلوماسي، بينما تلك التي تُصر على إدارة خلافاتها الداخلية عبر تصدير الفوضى والتجاوزات الخارجية وإطلاق الاتهامات الزائفة، لا تضر فقط بعلاقاتها الدولية، بل ترهن مستقبلها ومستقبل المنطقة بأسرها.

