بَيْنَ تَمَلْمُلِ الثَّكَنَاتِ وَحَسْمِ مَجْلِسِ الْأَمْنِ: النِّظَامُ الْجَزَائِرِيُّ فِي مُوَاجَهَةِ الْعُزْلَةِ وَانْهِيَارِ السَّرْدِيَّةِ، وَرَفْضٌ قَاطِعٌ لِلْجُنْدِيِّ الْجَزَائِرِيِّ أَيَّ مُغَامَرَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ وَالِانْجِرَارِ إِلَى صِرَاعٍ مُسَلَّحٍ مَعَ الْمَغْرِبِ

بَيْنَ تَمَلْمُلِ الثَّكَنَاتِ وَحَسْمِ مَجْلِسِ الْأَمْنِ: النِّظَامُ الْجَزَائِرِيُّ فِي مُوَاجَهَةِ الْعُزْلَةِ وَانْهِيَارِ السَّرْدِيَّةِ، وَرَفْضٌ قَاطِعٌ لِلْجُنْدِيِّ الْجَزَائِرِيِّ أَيَّ مُغَامَرَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ وَالِانْجِرَارِ إِلَى صِرَاعٍ مُسَلَّحٍ مَعَ الْمَغْرِبِ

عبدالقادر كتـــرة

في الوقت الذي تواصل فيه الآلة الإعلامية الرسمية في الجزائر تصعيد خطابها العدائي تجاه جيرانها، وتحديداً المغرب، تتسرب من خلف أسوار الثكنات العسكرية ومن أروقة الدبلوماسية الدولية مؤشرات تكشف عن أزمة هيكلية عميقة تضرب العصب الحيوي للنظام الجزائري.

الأزمة لم تعد تقتصر على عزوف شعبي كاسح عن صناديق الاقتراع أو انهيار في ثقة الجالية أدى إلى تراجع تحويلاتها المالية، بل امتدت لتشمل غلياناً صامتاً داخل الجيش، ورعباً دبلوماسياً من قرارات أممية مرتقبة قد تنهي وإلى الأبد ورقة “البوليساريو”.

الجندي المنسي: وقود في معارك السياسة خلافاً للصورة المتماسكة التي تحاول القيادة العسكرية تسويقها، تشير تسريبات متقاطعة إلى حالة من التذمر الواسع بين صفوف الضباط والجنود.

لا يقتصر الأمر على مجرد استياء من تدني القدرة الشرائية؛ بل هو صرخة إنسانية مكبوتة لجندي جزائري وجد نفسه عالقاً بين كماشة الوعود الزائفة وظروف العمل القاسية.

الجنود المرابطون لسنوات في النقاط الحدودية النائية والصحراوية يعانون من التهميش، بينما تُمنح المناصب المريحة والبعثات الدبلوماسية لأبناء القيادات المتنفذة. هذا الجندي البسيط —الذي التحق بالجيش غالباً هرباً من البطالة وتأميناً للقمة عيش أسرته— بات يرى راتبه يتآكل أمام وحش التضخم، في مفارقة صارخة مع الميزانيات الدفاعية الفلكية التي تتجاوز 22 مليار دولار، والتي تُصرف على صفقات تسليح تخدم حسابات كبار الضباط أكثر مما تلبي الاحتياجات الاجتماعية للمؤسسة العسكرية.

هذا التململ الاجتماعي يتحول تدريجياً إلى قناعة سياسية صامتة. الجندي الجزائري، الذي لا يزال يستحضر بمرارة ندوب “عشرية الدم” في التسعينيات، يرفض بشكل قاطع أي مغامرة عسكرية غير محسوبة أو الانجرار إلى صراع مسلح مع المغرب.

لقد بات جلياً داخل الثكنات أن العقيدة العسكرية يجب أن تقتصر على الدفاع عن التراب الوطني ضد التهديدات الحقيقية (كالإرهاب والتهريب جنوباً)، لا أن يتحول الأفراد إلى بيادق في حروب بالوكالة تُفتعل لتصدير الأزمات الداخلية وإحكام قبضة جناح على آخر داخل السلطة.

رعب أكتوبر: شبح إنهاء “المينورسو” بصيغتها الحالية

هذا الاحتقان الداخلي يتزامن مع مأزق خارجي خانق. فالنظام الجزائري يترقب بحذر بالغ اجتماع مجلس الأمن الدولي المرتقب في 31 أكتوبر 2026، المخصص لمناقشة تجديد ولاية بعثة “المينورسو” في الصحراء المغربية.

السباق الدبلوماسي اليوم لم يعد يقتصر على مجرد التمديد الروتيني.

وبحسب تقرير حديث لمجلة “أفريكا إنتليجنس” الاستخباراتية (نُشر في 22 شتنبر 2026)، فإن “المغرب يكثف تحركاته لضمان إنهاء مينورسو في شكلها الحالي”.

الدبلوماسية المغربية، المسلحة باعترافات دولية متتالية، تضغط لتغيير جوهري في طبيعة البعثة لتتوافق مع الواقع السياسي الجديد، مما يعني طي صفحة “الاستفتاء” الذي تجاوزه الزمن، وتكريس مبادرة “الحكم الذاتي” كإطار وحيد للحل.

القرار الأممي الأخير (2797 في أكتوبر 2025) وضع بالفعل حجر الأساس لهذا التوجه حين اعتبر أن “حكماً ذاتياً حقيقياً يمكن أن يشكل مخرجاً قابلاً للتطبيق”، وهو النص الذي عجزت الجزائر عن إعاقته رغم عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن حينها.

في المقابل، تجد الجزائر نفسها في موقف دفاعي وتراجعي. ويشير تقرير “أفريكا إنتليجنس” بوضوح إلى أن “الجزائر تأمل، بشكل خاص، أن تعتمد واشنطن سياسة التخفيض من أولوية ملف الصحراء”.

هذا الرهان الجزائري على “التهميش الأمريكي للملف” يفضح ضعف موقفها؛ فهي لم تعد قادرة على فرض أطروحتها أو الدفع بمسار لصالح البوليساريو، بل تكتفي بالرجاء في تأجيل حسم دولي قد يعلن رسمياً انتهاء صلاحية الجبهة الانفصالية، وهو ما سيمثل انهياراً تاريخياً لمشروع استنزف خزينة الدولة وأجيالاً من الدبلوماسيين الجزائريين لعقود.

انهيار السردية المزدوجة

يعيش النظام الجزائري اليوم حالة من التناقض الصارخ؛ ففي حين يسخر آلته الإعلامية لمهاجمة المغرب وتضخيم أي حراك اجتماعي، يتجاهل عمدًا العزوف الكاسح الذي يضرب استحقاقاته الانتخابية (والتي لم تتجاوز المشاركة فيها 21% في 2026).

هذا الانفصام يعكس محاولة يائسة للتغطية على الإخفاق المزدوج: الفشل في إقناع الجندي والمواطن البسيط بجدوى السردية العدائية التي تفقره، والعجز الكامل عن مجاراة الدينامية الدبلوماسية المغربية التي تفرض واقعاً جديداً في أروقة الأمم المتحدة.

خلاصة القول، إن صوت الجندي الجزائري المنهك، الذي يرفض أن يكون وقوداً لحروب وهمية، يتقاطع اليوم مع حسم المجتمع الدولي لملف الصحراء عبر بوابة الحكم الذاتي.

النظام الجزائري بات محاصراً بين ثكنات متململة ودبلوماسية دولية تتجاوزه. إما الاستمرار في سياسة “الهروب إلى الأمام” التي ستسرع من الانهيار الداخلي، أو الرضوخ للواقع الجيوسياسي الجديد وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجل بناء استقرار مغاربي، لم يعد مجرد خيار، بل حتمية للبقاء.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *