أَزْمَةُ سَبْتَةَ الْحَالِيَّةُ أَعَادَتْ تَوْزِيعَ الْأَوْرَاقِ، وَخَلَقَتْ مُعَادَلَةً مُعَقَّدَةً مِنَ الرِّبْحِ وَالْخَسَارَةِ بَيْنَ إِسْبَانِيَا، الْمَغْرِبِ، وَالْجَزَائِرِ: مَنْ يُمْسِكُ بِمَفَاتِيحِ الْحَلِّ وَمَنْ يَدْفَعُ الثَّمَنَ؟
لم تعد أزمة التدفقات الأخيرة نحو مدينة سبتة المحتلة مجرد حدث حدودي طارئ تُصدر بسببه البيانات الأمنية الروتينية، بل تحولت إلى رقعة شطرنج جيوسياسية معقدة أراقت حبراً كثيراً في عواصم غرب المتوسط.
بين مظاهرات حاشدة في أزقة المدينة، وسجالات حامية تحت قبة البرلمان في مدريد، ومواقف متباينة بين الرباط والجزائر وبروكسل، يطرح الموقف سؤالاً جوهرياً: من الخاسر ومن الرابح في هذه المواجهة؟ وإلى أين تتجه سفينة العلاقات الإسبانية المغاربية في الأشهر القادمة؟
أولاً: ميزان الأرباح والخسائر.. بورصة القوة في المثلث الإقليمي
عند تفكيك المشهد الحالي، يتضح أن مفهوم “الأزمة” لا يعني الخسارة للجميع بالمقدار نفسه، بل يُعيد توزيع أوراق الضغط والنفوذ بنسب متفاوتة:
1. إسبانيا: الخاسر الأكبر تحت الضغط المزدوج
تجد الحكومة الإسبانية نفسها في الموقف الأكثر حرجاً؛ إذ تتلقى الضربات من الجبهتين الداخلية والأوروبية:
– سياسياً وتماسكاً حكومياً: تواجه حكومة “بيدرو سانشيز” ضغطاً شرساً من معارضة يمينية تستغل غضب الشارع في سبتة لتطالب بانتخابات مبكرة، متهِمة الحكومة بالضعف والتفريط في أمن الحدود.
– أوروبياً ودبلوماسياً: وضع قرار إيطاليا تعليق العمل باتفاقية “شنغن” وتدقيق الحدود مع إسبانيا، إلى جانب انتقادات عواصم أوروبية أخرى، مدريد في عزلة سياسية وأظهرها بمظهر العاجز عن إدارة حدود القارة العجوز.
2. المغرب: الرابح الاستراتيجي والأرقام الصعبة
تُثبت التطورات الميدانية والدبلوماسية أن الرباط خرجت بالمكاسب الأكثر ثباتاً من هذه الأزمة:
– تأكيد محورية الدور الأمني: أظهرت الأزمة لإسبانيا وللاتحاد الأوروبي أن استقرار حدودهم الجنوبية مرتهن بشكل مباشر بالتنسيق مع المغرب. وتجاوب الرباط السريع في استعادة المهاجرين أظهرها بمظهر “الشريك المسؤول والضروري”.
– تعزيز النفوذ التفاوضي: يترجم هذا الموقف إلى أوراق ضغط دبلوماسية أقوى تستفيد منها الرباط في ملفاتها الاستراتيجية، وفي مقدمتها حشد الدعم الأوروبي لموقفها في نزاع الصحراء، وتأمين شراكات اقتصادية أكثر فاعلية.
3. الجزائر: مكاسب تكتيكية ومخاطر استراتيجية.
يقف الموقف الجزائري على أرضية معقدة تتراوح بين نكاية الخصم السياسي والخشية من ارتدادات الأزمة:
– تكتيكياً: يمثل التخبط الإسباني نوعاً من الضغط غير المباشر على مدريد بعد التحول في موقفها لصالح الطرح المغربي، مما يضع حكومة سانشيز في زاوية ضيقة.
– استراتيجياً: استمرار تدفق المهاجرين وغياب قنوات التنسيق الأمني المباشر مع مدريد قد يجلب ضغوطاً أوروبية على الجزائر، ويؤثر سلباً على مساعيها لتقديم نفسها كشريك طاقوي وسياسي مستقر وموثوق للاتحاد الأوروبي.
ثانياً: سيناريوهات المستقبل.. أين تتجه الأزمة؟
مع استمرار الغليان على الأرض، تتجاذب الأزمة ثلاثة مسارات محتملة خلال الأشهر القليلة القادمة:
السيناريو الأول: الاحتواء البراغماتي (الترجيح الأكبر)
أن تتدخل المفوضية الأوروبية بحزم عبر تقديم دعم مالي ولوجستي جديدة لدعم الحدود، مقابل التزام أمني صارم من دول الجوار وتسهيل عمليات الإعادة. هذا المسار سينهي توتر الحدود بين إسبانيا وإيطاليا ويعيد التوازن لـ “شنغن”، مع تجنب الانفجار السياسي الكامل.
السيناريو الثاني: الزلزال السياسي في مدريد (احتمال متوسط)
إذا استمر الاحتقان الشعبي ولم تتوقف المحاولات الجماعية للعبور، قد ينفرط عقد الائتلاف الحكومي الإسباني. وصول اليمين (الحزب الشعبي أو تحالفه مع فوكس) إلى السلطة سيعني تبني عقيدة أمنية عسكرية متشددة على حدود سبتة، مما سيعيد رسم قواعد اللعبة مع المحيط المغاربي برمتها.
السيناريو الثالث: تدويل ملف الحدود (احتمال منخفض)
أن يُسحب الملف بالكامل من يد مدريد ليتولاه الاتحاد الأوروبي عبر وكالة “فرونتكس”، ليربط أي مساعدات أو اتفاقيات مع دول جنوب المتوسط بشروط أمنية حازمة. وهو سيناريو يُقلل من قدرة أي دولة على استغلال ورقة الهجرة ثنائياً.
ثالثاً: انعكاسات الأزمة على خريطة العلاقات الثلاثية
– إسبانيا – المغرب: ستخرج هذه العلاقة أكثر تجذراً على المستوى الأمني؛ إذ أدركت مدريد أنه لا بديل عن التعاون مع الرباط، مما سيجعل التحالف بينهما أكثر صلابة رغم التحديات.
– إسبانيا – الجزائر: ستظل العلاقات في حالة جمود وحذر شديد، ما لم يحدث تغيير في قمة الهرم السياسي في مدريد يفتح الباب لإعادة بناء الثقة وملفات الطاقة.
– المغرب – الجزائر: تؤكد الأزمة استمرار حالة التنافس الإقليمي وإدارة ملفات النفوذ عبر المحيط الأوروبي، حيث يسعى كل طرف لإثبات كفاءته ورسوخ موقفه أمام الشركاء الغربيين.
ختاما، إن ما شهدته سبتة مؤخراً ليس حادثاً ينتهي بفتح السواحل أو إغلاقها، بل هو جرس إنذار يكشف أن الجغرافيا في منطقة غرب المتوسط تتفوق دائماً على السياسة.
ستبقى سبتة مرآة تعكس التوازنات الحقيقية بين ضفتي المتوسط، حيث لا يمكن تحقيق الأمن الأوروبي بمنأى عن استقرار وتنمية واستيعاب أدوار الجوار المغاربي.

