من غرائب الجزائر: نجل وزير الداخلية الجزائري الذي يزور حاليا فرنسا، يعيش في وضعية غير قانونية… هل سيطلب الوزير الجزائري من نظيره الفرنسي تسوية وضعية ابنه؟
عبدالقادر كتـــرة
وفقاً لمعلومات تداولتها عدة مصادر ومراقبون سياسيون، يعيش نجل وزير الداخلية الجزائري، سعيد سعيود، حالياً في فرنسا في وضعية غير قانونية (بدون وثائق إقامة).
وقد لفت هذا الوضع الانتباه بشكل خاص تزامناً مع إجراء الوزير لزيارة رسمية إلى الأراضي الفرنسية.
وأثارت هذه القضية ردود فعل قوية بسبب التناقض الصارخ بين الصفة الرسمية للأب والوضع الإداري للابن، وذلك على خلفية النقاشات الحالية الدائرة حول سياسة الهجرة. وحتى اللحظة، لم يتم تقديم أي توضيح رسمي بشأن تسويات محتملة أو إجراءات جارية بهذا الخصوص.
وفي هذا السياق، صرح الكاتب والصحفي الفرنسي-الجزائري محمد سيفاوي قائلاً:
“وزير الداخلية الجزائري في زيارة رسمية لفرنسا. لن أُذكّر هنا بدرجة الفساد التي تتسم بها شخصيته، فقد يكون ذلك بمثابة تحصيل حاصل عند الحديث عن ‘وزير جزائري’. علاوة على ذلك، فإن هذا ‘الوزير’ نفسه هو من أصحاب السوابق العدلية، حيث أُدين بتهمة الفساد عندما كان مديراً لهيئة عامة (ديوان الترقية والتسيير العقاري ).
إنها زيارة مليئة بالترقب. يتساءل البعض: في أي لحظة سيطلب هذا الوزير الجزائري — الذي سبق وأن عُرف بخطابه المعادي لفرنسا — من نظيره الفرنسي، لوران نونيز ، تسوية وضعية ابنه الذي يعيش ‘بدون أوراق’ في فرنسا؟
نعم، إن ابن وزير الداخلية الجزائري هو مهاجر سري، و’مقيم غير شرعي’ يعيش على الأراضي الفرنسية. ولم يتبين بعد ما إذا كان سيعترف بنجله في حال تم، لا قدر الله، تبليغ هذا الأخير بقرار ‘إلزام بمغادرة الأراضي الفرنسية’.”
سعيد سعيود وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل الجزائري (عُين وزيراً للنقل في نونبر 2024، ثم أضيفت إليه حقيبة الداخلية في شتنبر 2025).
زار فرنسا حالياً (يونيو 2026) على رأس وفد هام، بصفته الرسمية كوزير للداخلية الجزائري، للقاء نظيره الفرنسي “لوران نونيز”، وقد استُقبل أيضاً من قبل الرئيس “إيمانويل ماكرون” في قصر الإليزيه.
كيف يمكن لوزير داخلية (الجزائر) أن يجلس على طاولة المفاوضات مع نظيره الفرنسي لمناقشة ملفات حساسة ومعقدة كالهجرة، الأمن، وقرارات الترحيل (المهاجرون في وضعية غير قانونية)، في حين أن ابنه نفسه يعيش كـ “مهاجر سري” (بدون أوراق) تحت رحمة القوانين الفرنسية؟
عندما يمثل مسؤول رفيع المستوى بلده في الخارج، فإن صورته الشخصية وتاريخه (بما في ذلك التهم السابقة المتعلقة بإدارة ديوان الترقية والتسيير العقاري) وقضاياه العائلية تنعكس مباشرة على هيبة الدولة التي يمثلها.
زيارة كهذه، بدلاً من أن تُبرز قوة العلاقات أو الندية في التفاوض، تتحول إلى مادة دسمة للانتقاد السياسي اللاذع وتُظهر النخبة السياسية وكأنها تستخدم نفوذها الدبلوماسي لحل أزماتها العائلية.
من جهة، سلوك النظام العسكري الجزائري يُبرز تناقضاً كبيراً بين الخطاب الرسمي الذي يتبناه بعض المسؤولين الجزائريين (والذي يوصف أحياناً بالمعادي لفرنسا لأغراض شعبوية أو تاريخية) وبين ممارساتهم الشخصية والعائلية، حيث يفضل أبناؤهم العيش في فرنسا، حتى لو كان ذلك بطريقة غير شرعية.
من جهة ثانية، عندما يقبل ابن مسؤول رفيع المستوى، يمتلك نفوذاً واسعاً في بلده، بالعيش كـ “مهاجر سري” في دولة أجنبية، فهذا يبعث رسالة سلبية جداً للمواطنين. إنها إشارة إلى أن النخبة الحاكمة نفسها لا تثق في المستقبل داخل بلادها، وتفضل الهجرة ولو بظروف مهينة.
يطرح الكاتب والحصفي الفرنكوجزائري محمد سيفاوي تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كانت الزيارات الدبلوماسية الرسمية تُستغل لتسوية قضايا شخصية وعائلية (مثل طلب أوراق إقامة للابن)، وهو ما يضعف موقف المفاوض الجزائري أمام نظيره الفرنسي.
من جهة أخرى، مثل هذه الحوادث تُستخدم كذخيرة حية في النقاش السياسي الفرنسي الداخلي. اليمين واليمين المتطرف يستغلان هذه الحالات للتدليل على فشل سياسات الهجرة، والمطالبة بصرامة أكبر، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسؤولين من دول ترفض أو تماطل في استقبال مواطنيها الصادرة بحقهم قرارات.
تكشف هذه القضية، بغض النظر عن التفاصيل الدقيقة للمناصب، عن حالة الانفصام التي تعيشها بعض النخب السياسية في الجزائر.
تعليق الصحفي محمد سيفاوي — المعروف بمعارضته الشرسة للنظام الجزائري — جاء لاذعاً ومحرجاً، حيث استخدم أسلوب التهكم لتسليط الضوء على “نفاق” النخبة.
فمن جهة، يُطالب المواطن البسيط بالوطنية والصمود في وجه الأزمات الاقتصادية، ومن جهة أخرى، يتمتع أبناء المسؤولين بالهروب إلى الخارج. والأسوأ في هذه الحالة ليس الهجرة بحد ذاتها، بل الوصول إلى حالة “التواجد غير الشرعي” (الحراقة) بالنسبة لابن مسؤول يفترض أنه يمثل هيبة الدولة وقوانينها.
خلاصة القول، تضع مثل هذه الفضائح العلاقات الثنائية في موقف حرج؛ فالدولة المضيفة (فرنسا) تجد نفسها تتعامل مع مسؤولين لا يحترمون قوانينها عبر أفراد عائلاتهم، في حين تفقد الدولة الأم (الجزائر) مصداقيتها الأخلاقية والسياسية أمام شعبها وأمام شركائها الدوليين على حد سواء.

