جهة الشرق والانتقال من بناء البنية التحتية الى بناء الثروة
سليمة فرجي
عرفت جهة الشرق، في ظل العناية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، منذ سنة 1999، دينامية تنموية غير مسبوقة. فقد شهدت عشرات الزيارات الملكية التي أطلقت مشاريع مهيكلة غيّرت ملامح الجهة، وشملت البنيات التحتية، والطرق السيارة، والطرق السريعة، والجامعة، والمستشفى الجامعي، والمطارات، والموانئ، وفي مقدمتها ميناء الناظور غرب المتوسط، إلى جانب المحطات السياحية والمشاريع الاجتماعية والاقتصادية التي أسهمت في تحسين جودة الحياة وتعزيز جاذبية الجهة.
غير أن المرحلة الراهنة تقتضي الانتقال من مرحلة بناء البنية التحتية إلى مرحلة بناء الثروة. فالبنيات الأساسية أصبحت، إلى حد بعيد، متوفرة، ويبقى الرهان الأكبر هو تحويلها إلى محرك للنمو الاقتصادي المستدام.
واليوم، ومع الأوراش الكبرى التي تعرفها الجهة، وفي مقدمتها مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، وتوسيع الشبكات الطرقية واللوجستية، أصبحت جهة الشرق مؤهلة أكثر من أي وقت مضى لاستقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية. غير أن ذلك يقتضي اعتماد سياسة إرادية تجعل من الجهة قطباً اقتصادياً وصناعياً حقيقياً.
ويستلزم هذا التوجه إقرار حوافز ضريبية وجمركية جاذبة، وتبسيط المساطر الإدارية، وتسريع آجال الترخيص، وتوفير العقار الصناعي بأثمان تنافسية، ( مراجعة اثمنة العقار في القطب الصناعي وتتبع المستثمرين ) وتشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة، وإحداث مناطق صناعية ولوجستية متخصصة، وربط التكوين الجامعي والمهني بحاجيات سوق الشغل، حتى تجد الاستثمارات الكفاءات التي تحتاج إليها داخل الجهة نفسها.
كما أن الموقع الجغرافي المتميز لجهة الشرق، باعتبارها بوابة المغرب على الفضاء المتوسطي والإفريقي، يؤهلها لأن تصبح منصة إقليمية للصناعة والخدمات واللوجستيك والتصدير، خاصة في القطاعات الواعدة كالصناعات الغذائية، ( التفكير في تصنيع زيتون كرسيف وتوريرت وحوامض بركان ..) والطاقات المتجددة، وصناعة مكونات السيارات، والصناعة الدوائية، والاقتصاد الرقمي.
إن خلق فرص الشغل لم يعد رهيناً فقط بإطلاق مشاريع عمومية جديدة، وإنما أصبح مرتبطاً أساساً بقدرة الجهة على استقطاب الاستثمار المنتج، وخلق مناخ أعمال تنافسي، وتشجيع المبادرة الخاصة، لأن الاستثمار هو القاطرة الحقيقية للتنمية، وهو الكفيل بامتصاص البطالة، والرفع من الدخل، وتحقيق تنمية متوازنة ومستدامة.
لقد أنجزت الدولة جزءاً كبيراً من واجبها في توفير البنية التحتية والتجهيزات الكبرى، منذ الخطاب الملكي المؤرخ في 18 مارس 2003 ويبقى التحدي اليوم هو جعل هذه الإنجازات رافعة اقتصادية حقيقية، حتى تتحول جهة الشرق من جهة تتوفر على مشاريع كبرى إلى جهة تنتج الثروة، وتخلق فرص العمل، وتستقطب الرساميل، وتمنح شبابها الأمل في مستقبل أفضل بدل التفكير في الهجرة او الادمان على الموثرات العقلية
أن الاستثمار في جهة الشرق ليس مطلباً جهوياً فحسب، بل هو خيار استراتيجي يخدم التنمية الوطنية، ويعزز العدالة المجالية التي جعلها الدستور أحد أسس التنمية المتوازنة بين مختلف جهات المملكة.

