الدِّبْلُومَاسِيَّةُ بِالْإِسْمَنْتِ وَالْغَازِ.. كَيْفَ أَعَادَ الْمَغْرِبُ رَسْمَ خَرِيطَةِ النُّفُوذِ فِي إِفْرِيقْيَا وَالْمُتَوَسِّطِ: مِنَ “دَوْلَةِ عُبُورٍ” إِلَى “رَقْمٍ صَعْبٍ”.. اسْتْرَاتِيجِيَّةُ الْمَغْرِبِ الَّتِي أَرْبَكَتْ حِسَابَاتِ الْخُصُومِ
عبدالقادر كتـــرة
لم تعد لغة البيانات والشعارات السياسية تكفي لحسم المعارك الإقليمية في عالم اليوم. في منطقة شمال إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، يبدو أن قواعد اللعبة قد تغيرت جذرياً، وانتقل الصراع من أروقة الدبلوماسية التقليدية إلى أوراش الموانئ الضخمة، وأنابيب الغاز العابرة للقارات، ومناطق التجارة الحرة. في قلب هذا التحول، يبرز المغرب كقوة إقليمية صاعدة، تمكنت في ظرف قياسي من قلب موازين القوى لصالحه، متجاوزاً محاولات العزل والتطويق التي مارستها أطراف إقليمية.
كيف استطاع المغرب أن يتحول من مجرد “دولة عبور” إلى فاعل رئيسي يتحكم في شرايين الاقتصاد الإفريقي-الأوروبي؟
“حرب الموانئ”.. الكماشة اللوجستية
بينما كانت بعض الدول المجاورة تنشغل بالدفاع عن مواقف سياسية تعود لحقبة الحرب الباردة، كان المغرب يبني واقعاً جديداً على الأرض.
“ميناء الناظور غرب المتوسط” ليس مجرد بنية تحتية عادية، بل هو منصة استراتيجية عالمية لتخزين ومعالجة الطاقة والحاويات. هذا المشروع، الذي يكمل النجاح المبهر لـ”طنجة المتوسط”، خلق ضغطاً تنافسياً هائلاً على كبريات الموانئ الإسبانية والجزائرية.
وفي أقصى الجنوب، يأتي ميناء “الداخلة الأطلسي” ليُكمل الكماشة اللوجستية، جاعلاً من الواجهة البحرية المغربية ممراً حتمياً للتجارة بين إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين، وساحباً البساط من تحت أقدام كل من حاول تهميش الدور الاستراتيجي للمملكة.
لغة الأرقام تحسم المعركة: مؤشرات الصعود الجيواقتصادي
لفهم حجم هذا التحول، تكفي نظرة فاحصة على لغة الأرقام التي لا تكذب؛ فميناء “طنجة المتوسط” أصبح يصنف اليوم ضمن قائمة العشرين ميناءً الأكبر عالمياً، متجاوزاً قدرة معالجة 8.6 مليون حاوية سنوياً، وتاركاً موانئ جنوب أوروبا في حالة استنفار.
وإلى جانبه، يأتي ميناء “الناظور غرب المتوسط” بقدرة استيعابية ستصل إلى 3 ملايين حاوية و25 مليون طن من المحروقات، ناهيك عن تخصيص أكثر من 1.2 مليار دولار لتشييد ميناء الداخلة الأطلسي.
على الصعيد القاري، لم يعد المغرب يكتفي بالتصدير، بل تحول إلى المستثمر الإفريقي الأول في غرب إفريقيا والثاني على مستوى القارة بأكملها، حيث تستحوذ الشركات المغربية (في قطاعات الأبناك، الاتصالات، والتأمين) على حصص سوقية سيادية في أكثر من 30 دولة إفريقية.
وتتويجاً لذلك، تجاوزت صادرات قطاع السيارات المغربي عتبة 14 مليار دولار، ليتربع على عرش صناعة السيارات في إفريقيا، بينما يتجه بخطى ثابتة لجذب استثمارات تتجاوز 10 مليارات دولار في قطاع “الهيدروجين الأخضر”، ما سيجعله “بطارية أوروبا” المستقبلية بلا منازع.
طاقة المستقبل وضربة “أنبوب الغاز”
لعل المشروع الأكثر إثارة لقلق المنافسين هو “أنبوب الغاز النيجيري – المغربي”. فبدلاً من الاعتماد على مشاريع استخراجية تقليدية، قدم المغرب رؤية قارية تدمج اقتصادات 13 دولة في غرب إفريقيا.
هذا المشروع الضخم، الذي يتجاوز طوله 5600 كيلومتر باستثمار يناهز 25 مليار دولار، لا يهدف فقط إلى إيصال الغاز لأوروبا، بل يخلق تنمية إقليمية شاملة.
هذا التوجه ضرب احتكار الطاقة الذي كانت تراهن عليه الجزائر ورقةً للضغط السياسي، خاصة مع التوجه المغربي القوي نحو الريادة في مجال الطاقة المتجددة بدعم واستثمارات خليجية ودولية ضخمة.
المبادرة الأطلسية.. عمق استراتيجي جديد الضربة الاستراتيجية الأبرز كانت المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل (مالي، النيجر، تشاد، بوركينا فاسو) من الولوج إلى المحيط الأطلسي عبر الموانئ المغربية.
في وقت تعيش فيه هذه الدول أزمات خانقة وتوترات مع حلفائها التقليديين ومع جوارها الجزائري، قدم المغرب “شريان حياة” اقتصادي وتجاري.
هذه الخطوة الذكية حولت مركز الثقل الاقتصادي والجيوسياسي للإقليم نحو الواجهة الأطلسية، وخلقت ولاءات مبنية على المصالح المشتركة الملموسة، وليس على الشعارات الأيديولوجية.
إحباط مناورات “الناتو” والرد الميداني أمام هذا الصعود الجيواقتصادي، لم تقف الأطراف المتضررة مكتوفة الأيدي. حاولت إسبانيا، مدفوعة بلوبي تدعمه الجزائر، استغلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) لإدراج مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين ضمن المادة الخامسة للدفاع المشترك، بهدف جر الحلف لأي نزاع مستقبلي حولهما.
إلا أن “الفيتو” الأمريكي كان حاسماً. واشنطن، التي تعتبر المغرب “حليفاً رئيسياً خارج الناتو” وتجمعهما شراكة استراتيجية وعسكرية بمليارات الدولارات، رفضت تزكية موقف يصطدم بمصالحها الاستراتيجية. الرسالة كانت واضحة: الغرب يراهن على الفاعل الأكثر استقراراً وموثوقية في المنطقة.
خلاصة القول، النجاح المغربي اليوم يكمن في ابتعاده عن “سياسة ردود الأفعال الصاخبة” واعتماده على “سياسة الفعل الصامت والفعال”. عبر شراكات استراتيجية مع واشنطن، وتدفق للاستثمارات الخليجية، وتوجه استراتيجي نحو العمق الإفريقي، تمكن المغرب من تحصين موقعه.
المعركة اليوم لم تعد في أروقة الأمم المتحدة فحسب، بل في الموانئ، وأنابيب الغاز، ومحطات الطاقة الشمسية. وفي هذه المعركة، يثبت المغرب يومياً أنه يمتلك الرؤية، والأرقام، والأدوات ليكون الرقم الأصعب في معادلة المستقبل.

