“مَنْ يَقْتُلُ مَنْ؟”.. الشَّابُّ حُسْنِي ضَحِيَّةٌ بَيْنَ فَتَاوَى التَّكْفِيرِ وَرَصَاصِ الِاسْتِخْبَارَاتِ الَّتِي وُظِّفَتْ دِمَاءُ أَيْقُونَاتِ الْجَزَائِرِ فِي هَنْدَسَةِ “الْعَشْرِيَّةِ السَّوْدَاءِ

“مَنْ يَقْتُلُ مَنْ؟”.. الشَّابُّ حُسْنِي ضَحِيَّةٌ بَيْنَ فَتَاوَى التَّكْفِيرِ وَرَصَاصِ الِاسْتِخْبَارَاتِ الَّتِي وُظِّفَتْ دِمَاءُ أَيْقُونَاتِ الْجَزَائِرِ فِي هَنْدَسَةِ “الْعَشْرِيَّةِ السَّوْدَاءِ

عبدالقادر كتـــرة

في ذاكرة الشعوب جراح لا تندمل بالتقادم، وفي تاريخ الجزائر الحديث، تظل “العشرية السوداء” حقبة مثقلة بالدماء والأسئلة المعلقة. من بين آلاف القصص المأساوية التي طبعت تلك الفترة، يبرز اغتيال أمير الأغنية العاطفية، الشاب حسني، كواحدة من أكثر الجرائم التي لخصت بشاعة تلك المرحلة وعبثيتها.

في التاسع والعشرين من سبتمبر عام 1994، كانت مدينة وهران على موعد مع فاجعة أسكتت صوتاً لطالما غنى للحب والأمل. لكن، وبعد مرور عقود على تلك الظهيرة الخريفية الدامية، لا يزال السؤال يتردد في الأفق: هل قُتل الشاب حسني حقاً برصاص التطرف الأعمى، أم أن هناك يداً خفية هندست الجريمة لتضرب عصفورين بحجر واحد؟

مسرح الجريمة: احترافية لا تشبه العشوائية لم يكن اغتيال الشاب حسني أمام منزله في حي “غامبيتا” عملاً عشوائياً. تفاصيل الجريمة، كما رواها الشهود وكشفتها التحقيقات لاحقاً، تحمل بصمات احترافية مرعبة؛ ثلاثة شبان يقتربون منه، أحدهم يبتسم ويصافح، والثاني يعانق لتشتيت الانتباه، بينما يخرج الثالث مسدسه لينهي حياة شاب في السادسة والعشرين من عمره.

الرصاصة الأولى استقرت في الحنجرة، وكأنها رسالة واضحة لإسكات ذلك الصوت الذي التف حوله الملايين. والثانية في الرأس لضمان الموت المحتم. اللافت في الأمر أن شقيق حسني الذي كان برفقته لم يُصب بأذى، ما يؤكد أن القتلة كانوا مكلفين بمهمة محددة ودقيقة: تصفية حسني دون سواه، ودون ترك أي مجال للخطأ.

سؤال المرحلة: “من يقتل من؟” لفهم أبعاد هذه الجريمة، يجب العودة إلى السياق السياسي المعقد للجزائر في منتصف التسعينيات. كانت البلاد غارقة في حرب أهلية طاحنة بين الجيش والجماعات الإسلامية المسلحة. وفي تلك الأجواء، برز تيار استئصالي داخل السلطة، قاده جنرالات نافذون على رأسهم رئيس المخابرات آنذاك، الجنرال محمد مدين (الشهير بتوفيق)، الذي أدار البلاد بقبضة من حديد.

في تلك الفترة، طُرح بقوة سؤال “من يقتل من؟” في الأوساط الحقوقية والسياسية الدولية. تواترت الشهادات لاحقاً عن اختراق جهاز الاستخبارات للجماعات المسلحة وتوجيهها لتنفيذ عمليات تخدم أجندة السلطة. كان النظام بحاجة ماسة إلى تشويه صورة الخصم محلياً ودولياً، وإقناع الشعب بأن البديل عن حكم العسكر هو الهمجية المطلقة.

لماذا الشاب حسني؟ لم يكن حسني سياسياً، ولم يكن معارضاً أو منتمياً لأي تيار أيديولوجي، بل كان ببساطة يغني للحياة. وهنا يكمن الخطر؛ ففي الوقت الذي كانت فيه أطراف الصراع تريد إغراق الشباب في اليأس وثقافة الموت، كان صوت حسني المتدفق من ملاعب وهران وشوارعها يذكر الجزائريين بأن الحياة لا تزال ممكنة.

استغلت الجهات المدبرة الفتاوى التكفيرية التي كانت تصدرها الجماعات المتطرفة ضد الفنانين كغطاء مثالي. تم تجنيد شابين من أبناء الأحياء الشعبية، تم غسل أدمغتهم بشعارات دينية ليقوموا بتنفيذ المهمة. هكذا، تم توفير السلاح، والمعلومات، والضوء الأخضر، لتُنفذ الجريمة باسم “التطرف”، بينما كان المستفيد الأول هو من يجلس في المكاتب المغلقة، محكماً قبضته على السلطة بحجة “محاربة الإرهاب”.

دماء النخبة كأداة للهندسة السياسية لم يكن حسني الضحية الوحيدة لهذه الاستراتيجية؛ فقد شهدت تلك الحقبة تصفية ممنهجة لنخبة من الأطر، والمفكرين، والصحفيين، والفنانين الأحرار، أمثال الكاتب الطاهر جاعوط والمسرحي عبد القادر علولة. كانت كل رصاصة تُطلق على رمز من رموز المجتمع تزيد من حالة الترويع الجماعي، وتُرسخ في أذهان الجزائريين معادلة قاسية: “الأمن مقابل التنازل عن الحرية والتغيير”.

صوت يرفض الموت اليوم، ورغم توالي السنوات والتحولات السياسية التي شهدتها الجزائر، والتي أدت إلى عزل رؤساء وسجن جنرالات كانوا بالأمس القريب يوصفون بـ “أرباب الجزائر”، لا يزال الجرح مفتوحاً. قوانين “المصالحة الوطنية” قد تكون أوقفت نزيف الدم، لكنها لم تروِ ظمأ عائلات الضحايا لمعرفة الحقيقة الكاملة.

توقف قلب الشاب حسني في ذلك اليوم الخريفي من عام 1994، وظن القتلة أنهم أسكتوه إلى الأبد. لكنهم لم يدركوا أن الرصاص قد يقتل الأجساد، لكنه أعجز من أن يغتال الذاكرة. لا تزال أغاني حسني تصدح في كل زاوية من زوايا المغرب الكبير، شاهدة على فنان عشق الحياة، وعلى حقبة زمنية يجب أن تُقرأ صفحاتها بعناية، كي لا يُلدغ الشعب من الجحر مرتين.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *