الشَّرْقُ الْأَوْسَطُ الْيَوْمَ عَلَى فُوَّهَةِ بُرْكَانٍ فَوْقَهَا بَرْمِيلُ بَارُودٍ: كَيْفَ يُهَدِّدُ التَّصْعِيدُ الْإِقْلِيمِيُّ شَرَايِينَ النِّفْطِ الْعَالَمِيَّةِ؟
عبدالقادر كتـــرة
يقف الشرق الأوسط اليوم على فوهة بركان مع تصاعد التوترات المباشرة، ليتجاوز الخطر حدود التراشق العسكري ويهدد العصب الحيوي للاقتصاد العالمي: النفط الخليجي.
في هذا التوقيت الحرج، جاءت الرسالة الخطية من الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد إلى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد لتكشف عن تحرك دبلوماسي استباقي ومكثف لاحتواء الأزمة قبل خروجها عن السيطرة وتأمين استقرار أسواق الطاقة.
– الأهمية الاستراتيجية بالأرقام
تمثل منطقة الخليج، وتحديداً مضيق هرمز، الشريان الرئيسي لتدفقات الطاقة العالمية، حيث يُترجم أي تصعيد أو إغلاق إلى صدمة فورية في المعروض يصعب تعويضها:
– يمر عبر مضيق هرمز يومياً قرابة 20 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات، ما يعادل 20% من الاستهلاك العالمي.
– تعبر المضيق نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، وتتجه غالبيتها الساحقة إلى الأسواق الآسيوية الكبرى.
– تستحوذ الصين، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية وحدها على 69% من إجمالي تدفقات النفط المارة عبر هذا الممر.
– خيارات التعويض المحدودة والتكلفة الباهظة
في حال تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، تمتلك دول الخليج خيارات بديلة لتصدير إنتاجها، لكنها محدودة السعة.
تعتمد هذه الخيارات بشكل أساسي على خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية التي توفر بنية تحتية لتجاوز المضيق، غير أن السعة الإضافية المتاحة للاستخدام الطارئ لا تتجاوز 2.6 مليون برميل يومياً.
يعول في هذا السياق على خط أنابيب شرق-غرب في السعودية، والذي رُفعت طاقته الاستيعابية إلى 7 ملايين برميل يومياً وشهد زيادة ملحوظة في الضخ مؤخراً لتجنب اضطرابات البحر الأحمر.
من جهتها، تمتلك الإمارات خط أنابيب أبوظبي الذي يربط حقولها البرية بمحطة الفجيرة المطلة على خليج عُمان، بطاقة تصديرية تبلغ 1.8 مليون برميل يومياً.
أي تعطل طويل الأمد سيتجاوز حتماً هذه القدرات التعويضية، حيث يشير معهد أكسفورد لدراسات الطاقة إلى أن إغلاق مضيق هرمز لعام واحد سيؤدي إلى تراجع إمدادات الغاز المسال العالمية بنسبة 15%، ما قد يرفع الأسعار في دول مستوردة كاليابان بنحو 170%.
وفي سوق النفط، يحذر المحللون من قفزة محتملة للأسعار إلى 130 دولاراً للبرميل.
– الدبلوماسية الخليجية كصمام أمان
تتفاعل أسواق النفط بحساسية مفرطة مع التوترات الجيوسياسية، مما يرفع تكاليف التأمين والشحن ويزيد الضغوط التضخمية. هنا تبرز التحركات الدبلوماسية الخليجية، ومنها التنسيق الإماراتي القطري، كأداة حاسمة لطمأنة الأسواق عبر إيصال رسائل سياسية واضحة حول الالتزام بتحييد منشآت الطاقة وتكثيف جهود الوساطة.
يعيد هذا المشهد المعقد إلى الأذهان صدمات النفط التاريخية، كأزمة عام 1973 أو تداعيات الثورة الإيرانية عام 1979، حيث أدت الاضطرابات الجيوسياسية حينها إلى ركود تضخمي ضرب الاقتصاد العالمي.
ورغم اختلاف السياق اليوم بفضل تنوع مصادر الطاقة ووجود احتياطيات استراتيجية، إلا أن الاعتماد الهيكلي على النفط والغاز الخليجيين يجعل من أي انقطاع طويل الأمد سيناريوهاً كارثياً قد يتجاوز في حدته أزمة الأسعار القياسية لعام 2008، نظراً لتزامنه مع هشاشة التعافي الاقتصادي العالمي الحالي.

