مِنْ “عِيسَاوَةَ” إِلَى الْقُفْطَانِ: عُقْدَةُ الْهُوِيَّةِ وَحَرْبُ السَّطْوِ الْمُمَنْهَجِ عَلَى التُّرَاثِ الْمَغْرِبِيِّ الَّذِي لَيْسَ مُجَرَّدَ فُولْكْلُورٍ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ امْتِدَادٌ لِدَوْلَةٍ أُمَّةٍ رَاكَمَتْ حَضَارَتَهَا عَبْرَ قُرُونٍ مِنَ الزَّمَنِ

مِنْ “عِيسَاوَةَ” إِلَى الْقُفْطَانِ: عُقْدَةُ الْهُوِيَّةِ وَحَرْبُ السَّطْوِ الْمُمَنْهَجِ عَلَى التُّرَاثِ الْمَغْرِبِيِّ الَّذِي لَيْسَ مُجَرَّدَ فُولْكْلُورٍ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ امْتِدَادٌ لِدَوْلَةٍ أُمَّةٍ رَاكَمَتْ حَضَارَتَهَا عَبْرَ قُرُونٍ مِنَ الزَّمَنِ

عبدالقادر كتـــرة

يعيش الفضاء المغاربي في الآونة الأخيرة على وقع تصعيد من نوع آخر، ساحته ليست الحدود الجغرافية، بل أروقة منظمة اليونسكو ومنصات التواصل الاجتماعي.

تتوالى المحاولات الجزائرية لاستنساخ وتسجيل موروثات ثقافية مغربية خالصة، بدءاً من فن الزليج، مروراً بالقفطان، وصولاً إلى التحرك الأخير المفاجئ لتقديم ملف حول الطريقة الصوفية “العيساوية”.

هذا الاستحواذ يعكس أزمة هوياتية عميقة تدفع ثمنها الذاكرة المشتركة للمنطقة، وتلخصها العبقرية الشعبية المغربية في مثل بليغ: “المشتاق إلى فاق حالو صعيب”.

– “عيساوة”.. المنبع المكناسي العصي على التزوير

تعتبر الطريقة العيساوية إرثاً روحياً وموسيقياً مغربياً بامتياز، نشأت وتجذرت في مدينة مكناس خلال القرن السادس عشر على يد الولي الصالح الهادي بنعيسى، المعروف بـ”الشيخ الكامل”.

لا يقتصر هذا الفن على الزوايا، بل ينساب في شرايين الفرح المغربي عبر المواسم، الأزياء التقليدية، الإيقاعات التصاعدية، والآلات كالغيطة والبندير.

إن امتداد الممارسة الصوفية جغرافياً إلى دول الجوار هو دليل على الإشعاع الروحي للمغرب، وليس مبرراً لسطو ثقافي يحاول طمس المركزية التاريخية لمكناس وتقديم ملفات أحادية تتجاهل المنبع الأصلي.

– القفطان وتأثير “الحقيقة الوهمية”

لعل قضية القفطان المغربي تمثل النموذج الأبرز لهذه العقلية. فرغم الحسم المؤسساتي وتسجيله في اليونسكو باسم المغرب في محافل شكلت ما يشبه المحاكمة للسطو الثقافي، تستمر الآلة الدعائية في تنظيم مهرجانات باسم “القفطان الجزائري”، مقتنية إياه من الصناع المغاربة بلا أدنى حرج.

يفسر علم النفس هذه الظاهرة بـ”تأثير الحقيقة الوهمية”، حيث يُعتقد أن تكرار الادعاءات الكاذبة بكثافة في الفضاء الرقمي كفيل بصناعة واقع بديل، وهو ما يحاكي تصرف السارق الذي يستميت في الحلف بملكية ما سرقه رغم افتضاح أمره.

– نحو تحصين مؤسساتي وأكاديمي رصين

أمام هذه الاستفزازات، لم يعد الغضب الشعبي الافتراضي أو الاعتماد على الأمثال كـ “المكسي بديال الناس عريان” كافياً. حماية الذاكرة الوطنية تتطلب الانتقال الفوري نحو مأسسة الدفاع عن التراث.

– التوثيق العلمي القاطع: يجب تحويل تاريخنا الثقافي وحرفنا التقليدية إلى مقالات علمية محكمة ومفهرسة دولياً، لتشكيل مرجعية أكاديمية صلبة تقطع الطريق على أي تزوير في المحافل الدولية الرسمية.

– التحكيم الدولي التخصصي: بات من الضروري الترافع لتأسيس هيئات تحكيم إقليمية أو دولية متخصصة في نزاعات الملكية الثقافية والمؤشرات الجغرافية، قادرة على إصدار قرارات ملزمة تعاقب الانتحال التسويقي.

– يقظة المجتمع المدني: تحويل الوعي الشعبي إلى قوة ضاغطة تعمل بتنسيق مع المؤسسات الرسمية لجمع المخطوطات والوثائق الميدانية الداعمة للملفات الوطنية.

التراث المغربي ليس مجرد فولكلور عابر، بل هو امتداد لدولة أمة راكمت حضارتها عبر قرون من الزمن. وأمام فوضى السطو واختلاق الهويات، يبقى التأصيل الأكاديمي والتحصين القانوني هما الدرع الحقيقي لحماية هذه الجذور العميقة من عبث العابرين.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *