دِبْلُومَاسِيَّةُ الْخَيْطِ وَالْإِبْرَةِ: الْقَفْطَانُ الْمَغْرِبِيُّ يَخْطَفُ الْأَنْظَارَ وَيُوَثِّقُ أَصَالَةَ التُّرَاثِ فِي قَلْبِ تَايْلَانْدَ، وَمِنْ تَايْلَانْدَ إِلَى الْعَالَمِ، إِقْرَارٌ دَوْلِيٌّ بِأَصَالَةِ وَجُذُورِ الصِّنَاعَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ الْمَغْرِبِيَّةِ
عبدالقادر كتـــرة
في مشهد يعكس قوة الإشعاع الثقافي للمملكة، تحول الزي التقليدي المغربي إلى حديث الساعة في الأوساط الآسيوية، بعد أن خطف الأنظار في تظاهرة لترويج الأزياء بتايلاند.
لم يكن الحدث مجرد عرض للأزياء، بل كان بمثابة إعلان دولي جديد عن أصالة وعراقة التراث اللامادي المغربي، جاء هذه المرة على لسان إحدى أبرز أيقونات الجمال الآسيوي.
انبهار بـ “التكشيطة” وتفاصيلها العريقة
في تصريح عفوي لوسائل الإعلام، عبرت ملكة الجمال التايلاندية “باثاما جيتساوات” (Patthama Jitsawat)، (تايلاندية الجنسية وتحمل لقب “ملكة جمال غراند تايلاند 2026” ومغنية محترفة في لون موسيقي تايلاندي شعبي يُعرف بـ “لوك ثونغ” (Luk Thung))، عن انبهارها الشديد بالصناعة التقليدية المغربية، بعد أن أطلت بـ “تكشيطة” مغربية أصيلة مكونة من ثلاث طبقات.
وقد لفتت الانتباه إلى الدقة المتناهية في التطريز وتناسق الألوان، مشيرة إلى أن هذا الزي يعكس “حجماً هائلاً من الوقت والشغف والحب المُكرّس في هذه الحرفة”.
وجاء في تصريحها ما يلي:
“أعشق الصناعة التقليدية المغربية بشدة. لي الشرف أن أرتدي هذه القطعة الجميلة هذا المساء، ويمكنني أن أرى بوضوح حجم الوقت والشغف والحب المُكرّس في هذه الحرفة التي لا تتناسب فقط مع الأزياء العصرية بل التقليدية أيضاً. معرفتي بالمغرب محدودة، لكنه بالتأكيد وجهة أود زيارتها يوماً ما. أعلم أنه يشبه تايلاند كثيراً؛ فالمغرب يمتلك الكثير من التقاليد سواء في الصناعة اليدوية، أو أكل الشوارع، أو الأزياء؛ هناك الكثير من الألوان الزاهية والشغف.
عرض الأزياء الليلة تضمن قطعاً مختلفة، والقطعة التي أرتديها الليلة مكونة من ثلاث طبقات، وهي في غاية الجمال. دقة التطريز، الألوان الزاهية، والقصة التي ترويها هذه القطعة تذكرني بالصناعة التقليدية التايلاندية، وأشعر أن هناك رابطاً وثيقاً بينهما. هذه أول مرة أرتدي فيها زياً مغربياً، وهي بداية رائعة تجعلني أتوق لزيارة المغرب لاكتشاف المزيد مما يقدمه، وأنا فخورة جداً بذلك.”
هذا الإعجاب بتفاصيل الخياطة التقليدية يؤكد أن القفطان يفرض نفسه عالمياً ليس كلباس عصري عابر، بل كتحفة فنية تروي قصة أجيال من “المعلمين” والحرفيين الذين حافظوا على هذا الموروث.
جاذبية ثقافية تفتح أبواب السياحة الآسيوية
لم تكتفِ المتحدثة بالإشادة بالزي، بل عقدت مقارنة ذكية بين الثقافتين المغربية والتايلاندية، مشيرة إلى أوجه الشبه في غنى التقاليد، وتنوع أكل الشوارع، وشغف الشعبين بالألوان الزاهية. هذا التقارب العفوي يلعب دوراً كبيراً في تقريب الصورة الذهنية للمغرب لدى السائح الآسيوي.
فحين تعلن شخصية مؤثرة عن رغبتها في زيارة المغرب لاكتشاف جذور هذا السحر الثقافي، فإنها تقدم ترويجاً سياحياً بالغ التأثير، يفتح شهية أسواق سياحية صاعدة تبحث عن الوجهات التي تقدم تجارب ثقافية وحضارية غنية.
وثيقة حية لحماية الملكية الثقافية والتراثية
تكتسي مثل هذه الشهادات الدولية أهمية مضاعفة في الوقت الراهن. ففي خضم النقاشات الإقليمية ومحاولات السطو الثقافي التي تستهدف التراث المادي واللامادي لتصاميم النسيج والأزياء التقليدية، تأتي هذه الإشادات لتشكل حائط صد متين.
إن حضور الزي المغربي في المحافل العالمية واعتراف شخصيات دولية بهويته، يعزز من مكانته كعلامة مغربية خالصة، ويدعم الجهود الرامية إلى حماية المؤشرات الجغرافية والسجلات الدولية للملكية الفكرية الخاصة بالصناعة التقليدية. كل ظهور دولي للقفطان والتكشيطة هو بمثابة توثيق تاريخي وحقوقي يقطع الطريق أمام أي ادعاءات تسعى لمصادرة هذا الموروث المتجذر.
خلاصة القول، القوة الناعمة في أبهى صورها
يُثبت المغرب مرة أخرى أن دبلوماسيته الثقافية، أو ما يُعرف بـ “القوة الناعمة”، قادرة على اختراق الحدود وبناء جسور متينة مع شعوب تبعد بآلاف الكيلومترات.
القفطان المغربي اليوم لم يعد مجرد فخر وطني نرتديه في المناسبات، بل أصبح سفيراً فوق العادة، يحمل في طياته رسائل الأصالة، ويدافع عن الهوية، ويُسوق لاسم المغرب بأرقى الطرق وأكثرها تأثيراً.

