الِطُّفُولَةُ الْمَسْرُوقَةُ فِي تِنْدُوفَ: حِينَ تُسْتَبْدَلُ الْأَقْلَامُ بِالْبَنَادِقِ بِرِعَايَةٍ جَزَائِرِيَّةٍ… تَجْنِيدُ أَطْفَالِ الْمُخَيَّمَاتِ.. جَرِيمَةُ حَرْبٍ تَضَعُ الْبُولِيسَارْيُو وَالْجَزَائِرَ أَمَامَ الْعَدَالَةِ الدَّوْلِيَّةِ
عبدالقادر كتـــرة
في الوقت الذي يتسابق فيه العالم لتأمين مقاعد دراسية للأطفال وتوفير بيئة آمنة تضمن حقوقهم الأساسية، تستمر في زاوية معزولة من الصحراء الكبرى مأساة صامتة تُغتال فيها الطفولة بدم بارد.
داخل مخيمات تندوف، لا يُلقن الأطفال أبجديات العلوم أو قيم التسامح، بل يُدفعون قسراً إلى خنادق الأيديولوجيا، وتُحشى عقولهم الغضة بثقافة الكراهية، وتُستبدل أقلامهم ببنادق تفوقهم وزناً.
هذا الواقع المرير، الذي سُلط عليه الضوء مؤخراً في أروقة مركز جنيف للسياسات الأمنية، لم يعد مجرد انتهاك حقوقي عابر، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان تتطلب انتقالاً فورياً من لغة التنديد إلى لغة المحاسبة الجنائية.
– إفلاس سياسي بوقود طفولي
لجوء قيادات جبهة البوليساريو إلى عسكرة الأطفال وتجنيدهم ليس مجرد تكتيك استعراضي، بل هو انعكاس صارخ لإفلاس ديموغرافي وسياسي خانق.
فبعد عقود من بيع الأوهام، وتآكل سردية الانفصال، وعزوف البالغين عن الانخراط في مشروع بلا أفق، لم تجد هذه العصابة المسلحة سوى الأطفال لسد عجزها البشري.
يتم اختطاف هؤلاء الصغار من حضن طفولتهم ليتحولوا إلى أدوات دعاية عسكرية، يُعرضون في طوابير استعراضية أو يُزج بهم في تدريبات قتالية تسلبهم حقهم في الحلم بمستقبل خارج أسوار المخيم.
– المسؤولية القانونية: لا حصانة للنظام العسكري الجزائري
إذا كانت البوليساريو هي الأداة المنفذة لهذه الجريمة، فإن النظام العسكري الجزائري هو الراعي والميسر والشريك المباشر.
وفقاً للقانون الدولي الإنساني ومبدأ “المسؤولية الإقليمية”، لا يمكن لأي دولة أن تتنصل مما يقع فوق ترابها من جرائم بحجة وجود فاعل غير حكومي.
الجزائر، بصفتها الدولة المضيفة والموقعة على الاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل، توفر الغطاء السياسي، والتسليح، والجغرافيا التي تُرتكب فيها هذه الفظائع.
السماح لعصابة مسلحة بتحويل أجزاء من التراب الجزائري إلى معسكرات لتجنيد القصر يجعل كبار المسؤولين في النظام العسكري الجزائري شركاء متضامنين في جريمة حرب لا تسقط بالتقادم، ويضعهم في دائرة المساءلة المباشرة أمام آليات الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان.
ساعة المحاسبة الدولية.. من جنيف إلى لاهاي الرسالة التي يجب أن تتبناها العواصم العالمية والمنظمات الحقوقية اليوم واضحة: أطفال تندوف ليسوا رصيداً بشرياً لابتزاز سياسي، ولا وقوداً لحرب بالوكالة. لقد حان الوقت لتفعيل الآليات القانونية الدولية لإنهاء هذه المهزلة.
– المجتمع الدولي مدعو اليوم للتحرك عبر مسارين متوازيين:
أولاً: تحريك مبدأ “الولاية القضائية العالمية” في المحاكم الأوروبية لملاحقة وإصدار مذكرات توقيف دولية بحق قادة البوليساريو والمسؤولين العسكريين الجزائريين المتورطين في إدارة أو تمويل معسكرات تجنيد الأطفال.
ثانياً: إدراج البوليساريو رسمياً في “لائحة العار” الأممية الخاصة بالكيانات المنتهكة لحقوق الأطفال في النزاعات المسلحة، وتفعيل نظام العقوبات الموجهة ضد قياداتها.
ختاما، إن السكوت عن استغلال الأطفال في تندوف هو تواطؤ يطعن في مصداقية المنظومة الحقوقية العالمية. السلاح الحقيقي الذي يجب أن يحمله طفل المخيمات هو القلم، ومكانه الطبيعي هو المدرسة التي تبني عقله ليصبح مواطناً حراً، لا ثكنة عسكرية تصنع منه مشروع ضحية. شفاء هؤلاء الأطفال واستعادة كرامتهم يبدأ بخطوة واحدة لا تقبل التأجيل: تقديم الجناة إلى العدالة وتفكيك آلة العسكرة التي تصادر مستقبلهم.



