فِيدْيُو نَادِرٌ يَهُزُّ الإِعْلَامَ الصِّينِيَّ: لَمَّا دَافَعَ الْمَلِكُ الْحَسَنُ الثَّانِي عَنْ حُقُوقِ بِيكِينَ الْعَالَمِيَّةِ… الْحَسَنُ الثَّانِي وَالصِّينُ، قِصَّةُ مَوْقِفٍ تَارِيخِيٍّ أَسَّسَ لِشَرَاكَةٍ اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ
عبدالقادر كتـــرة
تتميز العلاقات بين الدول الكبرى بالتعقيد والحسابات الدقيقة، لكن في بعض اللحظات المفصلية، تبرز مواقف تاريخية لدول اختارت الانحياز إلى صوت العقل والعدالة مهما كانت الظروف. مؤخراً، تداول الإعلام الصيني باهتمام بالغ مقطع فيديو نادراً يعود للمغفور له الملك الحسن الثاني، خلال إلقائه خطاباً تاريخياً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذا المقطع لا يوثق مجرد خطاب دبلوماسي عابر، بل يختزل فصلاً كاملاً من فصول الدبلوماسية المغربية العريقة، والتي اتسمت دائماً بالشجاعة واستقلالية القرار.
في خضم الحرب الباردة، وحين كان العالم منقسماً بحدة بين معسكرين، لم يكن من السهل على دولة تتبنى الخيار الليبرالي أن تقف لتدافع بشراسة عن حق “الصين الشيوعية” في الحصول على مقعد دائم في الأمم المتحدة. إلا أن الرؤية الثاقبة للملك الحسن الثاني تجاوزت الاصطفافات الأيديولوجية الضيقة.
بمنطق رياضي لا يقبل الجدل، وحجة سياسية بالغة الدقة، وضع العاهل المغربي الراحل المجتمع الدولي أمام مرآة تناقضاته. فقد تساءل مستنكراً أمام قادة العالم: “هل من العدل والإنصاف ألا يتواجد 600 مليون شخص، أي ثلث العالم، بيننا؟”. كان هذا السؤال كافياً لهدم كل الحواجز الوهمية التي حاصرت الصين آنذاك.
لم يكتفِ الملك الراحل بالجانب العاطفي أو الأخلاقي، بل ضرب في صميم البراغماتية الدولية، مشيراً إلى النفاق السياسي السائد؛ حيث كانت دول العالم تتعامل اقتصادياً وتجارياً مع الصين وتستقبل ممثليها في السفارات، وفي الوقت ذاته تغلق في وجهها أبواب الأمم المتحدة، “بيت الجميع”. وبنظرة استشرافية للمستقبل، أكد أن انخراط الصين الإيجابي في المنظومة الدولية سيكون له أثر أكبر بكثير من تركها خارج السرب في موقع المعارضة.
اليوم، ونحن نرى التلفزيون الصيني يعيد بث هذا المقطع ويحتفي به، ندرك تماماً أن الذاكرة الدبلوماسية لا تمحو المواقف الصادقة والمبدئية. فهذا الموقف التاريخي ليس مجرد حادثة معزولة، بل هو تجسيد لعقيدة دبلوماسية مغربية راسخة، تؤمن بنصرة القضايا العادلة، والدفاع عن التوازن في العلاقات الدولية.
لقد برهن المغرب، بوصفه مملكة متجذرة في عمق التاريخ، أن القوة في الساحة الدولية لا تُقاس دائماً بالحجم العسكري أو الاقتصادي فقط، بل تُقاس أيضاً بقوة الموقف ووضوح الرؤية. إن الشراكة الاستراتيجية التي تجمع الرباط وبكين اليوم، والتي تشهد تطوراً متسارعاً في مختلف المجالات، لم تُبنَ من فراغ، بل وُضعت لبناتها الأولى في تلك اللحظات التاريخية التي نطق فيها المغرب بالحق، حين اختار الكثيرون الصمت.
إن استحضار هذا الحدث اليوم هو تذكير بأن استقلالية القرار السيادي للمغرب هو نهج ثابت، مستمر في ظل القيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس، والذي يواصل قيادة دبلوماسية المملكة نحو بناء شراكات متوازنة ومثمرة مع مختلف القوى العالمية، انطلاقاً من مبادئ الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
فيديو للمشاهدة

