صِنَاعَةُ الْوَهْمِ لَدَى الْجَزَائِرِيِّ: حِينَ يَتَحَوَّلُ التَّزْيِيفُ الثَّقَافِيُّ إِلَى سِيَاسَةِ دَوْلَةٍ بِلَا خَجَلٍ… مِيدَالِيَاتٌ مِنْ وَرَقٍ وَتَارِيخٌ مُخْتَلَقٌ وَمُتَلَازِمَةُ السَّطْوِ عَلَى تُرَاثِ الْآخَرِ
في عصر تتسارع فيه تدفقات المعلومات، لم يعد تزييف الحقائق مجرد خطأ عابر أو اجتهاد خاطئ، بل تحول لدى البعض إلى منهجية وعقيدة راسخة، تُمارس بلا خجل ولا حياء. عندما تُعاني بعض الجهات من فراغ في الهوية أو عقدة نقص حضارية، فإنها لا تتوانى عن اللجوء إلى التضليل الممنهج وتجاهل وجود الآخر، بل ومحاولة طمسه، لبلوغ أهداف خبيثة تتمثل في السطو على تراث الجيران ونسبته لنفسها، في مشهد يثير الشفقة بقدر ما يثير الاستنكار.
النموذج الصارخ لهذه الممارسات تجلى مؤخراً في تحوير حدث ثقافي بسيط إلى “ملحمة وطنية” وهمية.
فمهرجان “القرية الدولية لفن الطبخ” في باريس، ليس سوى معرض للتذوق والاستعراض الثقافي خالٍ من أي لجان تحكيم، إلا أن آلة التضليل اختلقت كذبة تتويج طباخة بميدالية ذهبية كمركز أول.
ولم تتوقف المهزلة عند حدود التضليل الإعلامي، بل بلغت ذروة الاستخفاف بالعقول حين انخرط أعلى هرم في السلطة في توجيه تهنئة رسمية على إنجاز لا وجود له.
هذه الحادثة تذكرنا بالفضيحة التاريخية لقبر “ماسينيسا” في قسنطينة، حين تم اللجوء إلى حيلة دنيئة عبر دس أواني فخارية في ضريح أثري لمحاولة سرقة طبق “الكسكسي”، قبل أن تفضح تقنيات الأشعة الألمانية هذه المسرحية وتثبت أن التاريخ الحقيقي والنقوش الموثقة تقبع في مدينة دقة التونسية.
لكن آلة التزييف لم تتوقف عند حدود الموائد والقبور التاريخية، بل امتدت أذرعها الخبيثة لتطال طقوس الفرح وأصالة الانتماء، وفي مقدمتها طقوس الأعراس المغربية وما تحمله من إرث حضاري ضارب في عمق التاريخ. العرس المغربي، بتفاصيله الدقيقة من رفعة “العمارية” إلى احترافية “النكافة”، ليس مجرد احتفال عابر، بل هو مؤسسة ثقافية توثق مهارة الصانع التقليدي وتراكم الحضارات المتعاقبة.
اليوم، نشهد محاولات بائسة وممنهجة لاستنساخ هذه الطقوس ونسبتها لغير أهلها ببرود تام وتجاهل مطلق للآخر.
فقد باتت المنصات تُغرق بصور ومقاطع تُنسب فيها تفاصيل العرس المغربي لهويات مجاورة، في عملية سطو مكشوفة. الأدهى من ذلك هو الاستهداف المباشر للأزياء التراثية التي تشكل هوية العروس؛ فالقفطان المغربي، الذي استقر في الوجدان العالمي كرمز للأناقة الأصيلة المتجذرة في التاريخ السعدي والعلوي، يتعرض لحملات تضليل واسعة تهدف إلى تجريده من هويته ومكانه.
ولا يقف العبث عند القفطان، بل يمتد لسرقة تفاصيل أخرى غاية في الأصالة، مثل “البلوزة الوجدية” التي تعكس عراقة شرق المملكة، و”الجابادور”، وحتى تقنيات الطرز العريقة كخيوط “البرشمان”.
هؤلاء “لصوص التراث” لا يخجلون من ارتداء هذه الأزياء، بل والتقاط الصور أمام خلفيات مزينة بفن “الزليج” المغربي الخالص، ليروجوا للعالم كذبة امتلاكهم لهذا الإرث، في محاولة بائسة لصناعة عمق تاريخي وهمي على حساب إبداع الآخرين.
إن ممارسة هذا التضليل بدم بارد، ومحاولة طمس الهوية الأصلية لهذه الطقوس، يعكس أهدافاً تتجاوز مجرد “التقليد” إلى محاولة “المحو والإحلال”.
عندما تتورط المؤسسات وتتجنّد المنصات لنشر الأكاذيب دون ذرة من الحياء، فإنها لا تسيء إلى جيرانها فحسب، بل تحول نفسها إلى أضحوكة دولية.
التراث لا يُصنع باختلاس جهود الآخرين أو بتدوينات رئاسية وهمية؛ فطقوس العرس المغربي وأزياؤه وتفاصيله منسوجة بماء الذهب في ذاكرة التاريخ، وكل محاولة لاختلاسها لا تزيد المزورين إلا افتضاحاً وعزلة.
فيديو للمشاهدة
https://vt.tiktok.com/

