نَعِيمَةُ وَرَقِيَّةُ… إِبْرِيقُ شَايٍ، قُفْطَانٌ، وَبُلُوزَةٌ: رِسَالَةُ وُدٍّ مَغَارِبِيَّةٌ مِنْ كَوَالِيسِ “مَلِكَةِ جَمَالِ العَالَمِ” 1967… حِينَ تَحَدَّثَ الجَمَالُ بِلُغَةِ “المَغْرِبِ الكَبِيرِ”
صورة تجمع بين ملكة جمال تونس “رقية دخيل” باللباس التونسي التقليدي (فوطة والبلوزة) وملكة جمال المغرب “نعيمة بن جلون” باللباس التقليدي المغربي (القفطان) سنة 1967 في مسابقة ملكة جمال العالم التي أقيمت في العاصمة البريطانية لندن يوم 16 نوفمبر 1967.
في زحمة الأخبار السياسية والتحليلات الجيواستراتيجية التي تملأ شاشاتنا اليوم، تبرز أحياناً صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود لتوقف الزمن، وتعيدنا إلى لحظة صفاء تاريخية تحمل في طياتها رسائل أعمق من ألف خطاب. إحدى هذه الصور النادرة والمُدهشة، هي تلك التي التُقطت في السادس عشر من نوفمبر عام 1967، في كواليس مسرح “لايسيوم” بالعاصمة البريطانية لندن، وجمعت بين ملكة جمال تونس “رقية دخيل” وملكة جمال المغرب “نعيمة بن جلون”.
لم تكن تلك اللحظة مجرد استراحة بين جولات مسابقة “ملكة جمال العالم” (Miss World)، بل كانت إعلاناً بصرياً عن حضور المرأة المغاربية في الساحة الدولية، بعد سنوات قليلة فقط من نيل بلدانها الاستقلال. في تلك الصورة، لم تعتمد رقية ونعيمة على مقاييس الجمال الغربية، بل اختارتا أن تطلّا على العالم وهما تتسربلان بهويتهما الأصيلة.
تظهر رقية دخيل على اليسار، مرتدية اللباس التونسي التقليدي العريق “الفوطة والبلوزة”، بملامح هادئة ونظرة تعكس رقيّ وتواضع المرأة التونسية. وعلى اليمين، تقف نعيمة بن جلون بابتسامة واثقة، متألقة بـ “القفطان المغربي” الفاخر، المطرّز بخيوط “الصم” الأصيلة التي تعكس مهارة الصانع التقليدي المغربي.
لكنّ سحر الصورة لا يكمن في الأزياء وحدها، بل في المركز الذي تلتقي عنده أيدي الشابتين: إبريق شاي فضي تقليدي. في ثقافتنا المغاربية، لا يُعد الشاي مجرد مشروب، بل هو طقس من طقوس الكرم، ورمز للضيافة والتآلف. التفاف يدي رقية ونعيمة حول الإبريق لصبّ الشاي، هو تجسيد حي لـ “التواصل المغاربي” العميق؛ وكأنهما تقتسمان لحظة دفء وأخوّة وسط صقيع الغربة وأضواء الكاميرات العالمية.
تداعيات الصورة على حاضرنا ومستقبلنا
عندما نقرأ هذه الصورة اليوم، بعد مرور أكثر من خمسة عقود، لا يسعنا إلا أن نتأمل التداعيات الثقافية والسياسية التي تفرضها على واقع المنطقة:
– دبلوماسية الجمال الناعمة: تؤكد الصورة أن الثقافة والفنون والتمثيل المشرّف للمرأة هي من أقوى أدوات “الدبلوماسية الناعمة”. لقد استطاعت هاتان الشابتان تقديم صورة مشرقة عن المغرب العربي المتجذر في أصالته والمنفتح على حداثة العالم، وهي صورة نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى لتصحيح المفاهيم النمطية.
– المشترك الثقافي أقوى من الخلافات: في الوقت الذي تعاني فيه فكرة “المغرب الكبير” من الجمود السياسي وتحديات الحدود المغلقة والتوترات الدبلوماسية، تأتي هذه الصورة لتذكرنا بأن ما يجمع شعوب المنطقة أكبر بكثير مما يفرقها. العادات، والتقاليد، وتفاصيل الحياة اليومية (كطريقة تقديم الشاي والأزياء المتقاربة) هي روابط لا يمكن للسياسة أن تمحوها.
– رسالة أمل للأجيال القادمة: تمثل هذه اللقطة العفوية دعوة مفتوحة للنخب المثقفة، والفنانين، والشباب في تونس والمغرب وعموم المنطقة، للبناء على هذا الإرث الثقافي المشترك. إن المستقبل الواعد للمنطقة لا يكمن في التقوقع، بل في استعادة روح تلك اللحظة اللندنية عام 1967: حيث التنافس لا يلغي الأخوّة، وحيث يمكن للجميع أن يتشاركوا نفس الإبريق، ونفس الحلم بـ “مغرب كبير” يتسع للجميع.
في النهاية، ستبقى صورة رقية ونعيمة وثيقة تاريخية حية، تهمس في آذاننا بأن الجمال الحقيقي لا يكمن فقط في الملامح والأزياء، بل في القدرة على مدّ جسور المحبة والاعتزاز بالهوية المشتركة.

