«اَلْكَارِثَةُ الثَّانِيَةُ» فِي الْجَزَائِرِ… عِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ التَّضَامُنُ إِلَى فُرْصَةٍ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ النِّفَايَاتِ أَوْ ثَقَافَةُ التَّبَرُّعِ فِي الْأَزَمَاتِ: بَيْنَ نُبْلِ الْعَطَاءِ وَفَوْضَى «الْمُتَلَاشِيَاتِ» (فِيدْيُو)

«اَلْكَارِثَةُ الثَّانِيَةُ» فِي الْجَزَائِرِ… عِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ التَّضَامُنُ إِلَى فُرْصَةٍ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ النِّفَايَاتِ أَوْ ثَقَافَةُ التَّبَرُّعِ فِي الْأَزَمَاتِ: بَيْنَ نُبْلِ الْعَطَاءِ وَفَوْضَى «الْمُتَلَاشِيَاتِ» (فِيدْيُو)

عبدالقادر كتـــرة

في كل مرة تقع فيها أزمة أو كارثة طبيعية، تهب الشعوب بدافع الفطرة الإنسانية لتقديم يد العون، وتتشكل قوافل التضامن المحملة بالمواد الغذائية والملابس والأغطية. لكن خلف هذه المشاهد النبيلة، تختفي ظاهرة مقلقة باتت تُعرف في أوساط المنظمات الإغاثية بـ”الكارثة الثانية”؛ وهي تدفق أطنان من التبرعات العينية غير الصالحة للاستخدام، والتي تتحول من طوق نجاة إلى عبء لوجستي وبيئي يثقل كاهل المتطوعين ويعيق وصول المساعدات الحقيقية لمستحقيها.

وهم التبرع وتفريغ الخزانات

غالباً ما يخلط البعض بين التبرع كفعل تضامني يهدف إلى صون كرامة المحتاج، وبين استغلال حملات الإغاثة كفرصة مجانية للتخلص من “الكراكيب” المنزلية والملابس البالية التي أكل عليها الدهر وشرب.

هذا السلوك، وإن كان أحياناً غير متعمد وينبع من رغبة عاطفية في المشاركة بأي شيء، فإنه يعكس غياباً واضحاً لثقافة التبرع الفعال. تقديم ملابس ممزقة أو أغطية متسخة لا يخفف من معاناة المتضررين، بل يوجه لهم إهانة غير مقصودة، ويستنزف وقت وجهد فرق الإغاثة التي تضطر لفرز هذه النفايات القماشية والتخلص منها بدلاً من التركيز على إنقاذ الأرواح وتوزيع المؤن الصالحة.

عدسة السوشيال ميديا وتعرية السلوكيات

مع التطور الرقمي، لم تعد هذه السلوكيات مخفية في مستودعات التجميع، بل أصبحت مادة دسمة على منصات التواصل الاجتماعي. توثيق الفوضى وتكدس “المتلاشيات” في بعض المبادرات يُسلط الضوء على هذه الإشكالية، ولكنه في أحيان كثيرة يُستغل في التراشق اللفظي وتصفية الحسابات الافتراضية، مما يحرف البوصلة عن الهدف الأسمى للعمل الإنساني ويحوله إلى مادة للسخرية والتنمر.

نحو ثقافة تبرع تحفظ الكرامة

لتجاوز هذه الفوضى وضمان وصول المساعدات بشكل فعال، يجب إعادة بناء وعي مجتمعي حول قواعد العطاء:

– الجودة قبل الكم: التبرع بما هو صالح للاستخدام الفوري، وفقاً للقاعدة الذهبية: “لا تتبرع بما لا ترضاه لنفسك”.

– الفرز المسبق: تصنيف الملابس وتنظيفها ووضعها في أكياس شفافة وموسومة لتسهيل عمل فرق الإغاثة.

– أولوية التبرع النقدي: توجيه الدعم المالي للمؤسسات الموثوقة يسمح بشراء الاحتياجات الدقيقة والآنية للمتضررين، ويوفر تكاليف النقل والتخزين.

– الاستجابة للاحتياج الحقيقي: الالتزام بقوائم الطلبات التي تعلنها الجهات الرسمية، وتجنب إرسال مواد غير ضرورية.

خلاصة القول، إن التضامن الحقيقي ليس مجرد تفريغ لشحنة عاطفية أو تخلص من أشياء لم نعد بحاجة إليها، بل هو التزام أخلاقي يضع كرامة الإنسان المتضرر في المقام الأول.

متى ندرك في مجتمعاتنا أن جودة العطاء أهم بكثير من حجمه، وأن مساعدة الآخرين تبدأ بتقديم أفضل ما نملك، لا أسوأ ما نستغني عنه؟

فيديو للمشاهدة

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *