مِنْ حُلْمِ الْأَمَانِ إِلَى كَابُوسِ التَّرْحِيلِ: “حَاجِرَةُ” مُهَاجِرَةٌ جَزَائِرِيَّةٌ هَارِبَةٌ مِنَ الْعُنْفِ فِي الْجَزَائِرِ.. ضَحِيَّةٌ لِلْـ”عُبُودِيَّةِ الْحَدِيثَةِ” وَقَوَانِينِ الْهِجْرَةِ فِي نِيُويُورْكَ
عبدالقادر كتـــرة
تبدأ حكايات الهجرة عادةً بحلم البحث عن حياة أفضل، لكن بالنسبة للجزائرية “حاجرة علاب” (31 عاماً)، كانت الرحلة بحثاً عن شيء أساسي وبسيط: “النجاة بوضوح”.
في عام 2023، حزمت حقائبها هرباً من جحيم العنف، بعد تعرضها لـلاعـتـ.ـصاب وتلقيها تهديدات بتصفيتها.
رأت في تأشيرتها السياحية إلى نيويورك طوق نجاة، وفرصة لبدء حياة جديدة بعيداً عن الخوف. لكن ما لم تكن تعلمه، هو أن وحشاً آخر كان ينتظرها في الجانب الآخر من العالم.
فخ البقاء وصراع اللقمة
مثل آلاف المهاجرين الذين يصلون إلى الولايات المتحدة، انتهت صلاحية تأشيرة حاجرة، لتجد نفسها عالقة في دوامة العمل غير النظامي. سنوات من الكد في وظائف منخفضة الدخل لتسديد إيجار غرفتها وتأمين قوت يومها، قادتها في النهاية للعمل في أحد مراكز “السبا” بمقاطعة ناسو في نيويورك.
هناك، حيث يغيب القانون عن حماية من لا يملكون “أوراقاً رسمية”، بدأ فصل جديد من الاستغلال. حاول صاحب العمل إجبارها على تقديم خدمات غير قانونية ومخلة، مستخدماً وضعها الهش كسلاح لابتزازها.
وعندما رفضت الانصياع، تحول مكان العمل إلى سجن تديره التهديدات، لتعيش السيدة الشابة رعباً جديداً يعيد إلى الأذهان ما هربت منه في وطنها الأم.
الضحية في قفص الاتهام
في يناير 2026، داهمت شرطة مقاطعة ناسو المركز. كان يُفترض أن تكون هذه المداهمة لحظة إنقاذ لحاجرة من براثن استغلال يرقى إلى “الاتجار بالبشر والعمل القسري”. لكن المفارقة كانت صادمة؛ أُلقي القبض عليها ووُجهت لها تهم تتعلق بالدعارة وممارسة مهنة دون ترخيص.
هنا، تجلت أبشع صور ازدواجية المعايير؛ ففي حين أُطلق سراح زميلتها في العمل لكونها “مقيمة قانونية”، تم تسليم حاجرة فوراً إلى سلطات الهجرة والجمارك (ICE) تمهيداً لترحيلها، وذلك قبل حتى أن يقول القضاء كلمته في التهم الموجهة إليها.
قوانين عمياء تفتقد للعدالة
قصة حاجرة ليست مجرد حادثة فردية، بل هي انعكاس لخلل هيكلي في تطبيق القانون. فمقاطعة “ناسو” تطبق اتفاقية مثيرة للجدل تُعرف بـ (287g)، تسمح للشرطة المحلية بالعمل كوكلاء لسلطات الهجرة. هذا التعاون حوّل 22 امرأة على الأقل، في قضايا مشابهة، من ضحايا استغلال وابتزاز إلى مجرمات مهددات بالترحيل السريع.
وفي المقابل، لو وقعت المداهمة ذاتها في مقاطعة “سوفولك” المجاورة، لكانت “حاجرة” قد حصلت على أمر حضور للمحكمة لمواجهة التهمة، دون أن تُسلم لسلطات الترحيل.
من الناحية القانونية والإنسانية، كان يجب أن تُعامل “حاجرة” كضحية لـ”العبودية الحديثة”. القوانين الأمريكية توفر تأشيرات خاصة (مثل T-Visa) لحماية ضحايا الاتجار بالبشر والابتزاز، لكن الاستعجال في تحويلها لسلطات الهجرة سلبها حقها في الدفاع عن نفسها وإثبات براءتها.
رسالة إلى الضفتين
تضعنا هذه المأساة أمام مرآة قاسية. فمن جهة، تُسائل هذه الحادثة منظومة الحماية في دول المنشأ؛ فعندما تفقد النساء الثقة في قدرة مؤسسات بلادهن على حمايتهن من العنف والتهديد، يصبح ركوب المجهول والهجرة بلا أوراق هو الخيار المر. ومن جهة أخرى، تكشف القصة زيف “الحلم الأمريكي” بالنسبة للمهاجرين المستضعفين، حيث يتم استغلالهم في غرف مظلمة، وحين تتدخل السلطات، تدفع بهم القوانين العمياء نحو الترحيل بدلاً من الإنصاف.
قضية “حاجرة علاب” هي صرخة في وجه الاستغلال والظلم المزدوج، وتتطلب تدخلاً عاجلاً من المنظمات الحقوقية في أمريكا لتصحيح مسار القضية، وتحركاً دبلوماسياً لحمايتها من ترحيل قسري قد يعني عودتها إلى دائرة الموت التي هربت منها في المقام الأول.

