أَسْرَارُ التِّسْعِينِيَّاتِ تُلَاحِقُ دِبْلُومَاسِيَّةَ الْجَزَائِرِ الْيَوْمَ، تَكْشِفُهَا الْوَثَائِقُ الْبِرِيطَانِيَّةُ: بَيْنَ عَطَّاف 1996 وَعَطَّاف 2026.. كَيْفَ تَقُودُ دِبْلُومَاسِيَّةُ التِّسْعِينِيَّاتِ مُسْتَقْبَلَ الْجَزَائِرِ نَحْوَ الْمَجْهُولِ؟
عبدالقادر كتـــرة
كثيراً ما نُردد أن التاريخ يعيد نفسه، ولكن في المشهد السياسي الجزائري، يبدو أن التاريخ لا يعيد نفسه فحسب، بل يتجمد.
ففي الوقت الذي تتسارع فيه الأحداث الجيوسياسية في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، وتتغير فيه التحالفات الدولية بسرعة البرق، يصر صانع القرار في الجزائر على استنساخ أدوات الماضي، وإعادة تدوير نفس الوجوه التي أدارت أزمات الأمس، لتُدير تعقيدات اليوم.
ولعل ما كشفته الوثائق البريطانية السرية، التي رُفعت عنها السرية مؤخراً ونشرتها منصة “إندبندنت عربية”، يُمثل جرس إنذار حقيقي، ليس فقط لما تحمله من تفاصيل تاريخية، بل لما تعكسه من واقع سياسي بائس ما زلنا نعيش تداعياته حتى يومنا هذا، عام 2026.
فضيحة في الغرف المغلقة: المواطن كعنصر تفاوض
تعود تفاصيل الوثائق إلى عام 1996، في ذروة الأزمة الأمنية الجزائرية، حيث كانت السلطات البريطانية تبحث عن آلية قانونية للتخلص من المهاجرين الجزائريين غير الشرعيين على أراضيها.
المثير للصدمة ليس سعي بريطانيا لترحيل من يخالف قوانينها، بل طبيعة المفاوضات التي جرت بين لندن والجزائر، والتي تكشف كيف كانت الحكومة الجزائرية مستعدة لمناقشة مصير مواطنيها، بنداً ببند، في غرف مغلقة، بعيداً عن أي شفافية أو رقابة شعبية.
الوثائق أظهرت أن المفاوضات تناولت حتى كيفية “إثبات” جزائرية المهاجر، وماذا يحدث لو أخطأت بريطانيا ورحّلت شخصاً ليس جزائرياً.
هذا المستوى من التفاصيل الحساسة التي تمس سيادة الدولة وكرامة مواطنيها، تم تغييبه تماماً عن الرأي العام الجزائري، الذي لم يعرف عنه شيئاً إلا بعد 30 عاماً، ومن أرشيف دولة أجنبية!
هذا يطرح تساؤلاً مشروعاً ومخيفاً في آنٍ واحد: كم من الاتفاقيات السرية، والتنازلات السيادية، والصفقات الأمنية والاقتصادية التي تُبرم اليوم باسم الشعب الجزائري، في ملفات معقدة مع دول كالساحل، أو فرنسا، أو دول الخليج، ولا نعرف عنها سوى بيانات مقتضبة تخفي أكثر مما تُعلن؟ وما الذي سيكتشفه الجزائريون في عام 2056 عندما تُفتح أرشيفات اليوم؟
الوجوه نفسها.. والأزمة تتفاقم
المفارقة الأكثر قتامة في هذه الفضيحة هي الأسماء التي أدارت تلك المفاوضات عام 1996. وزير الخارجية الجزائري حينها كان أحمد عطاف، وسفير الجزائر في لندن كان عمار بن جامع.
اليوم، وبعد مرور ثلاثة عقود شهدت فيها الجزائر طفرات مالية من عائدات النفط والغاز، وتغيرات سياسية مفصلية، نجد أن أحمد عطاف عاد ليتولى حقيبة الخارجية، وعمار بن جامع يُمثل الجزائر في أروقة الأمم المتحدة.
هذا “العقم السياسي” في تجديد النخب يفسر لماذا لم تتغير النتائج.
فبعد 30 عاماً من تلك المفاوضات حول ترحيل المهاجرين، لا يزال الشباب الجزائري يركب قوارب الموت “الحرقة” هرباً من واقع اقتصادي واجتماعي مسدود. الأزمة لم تُحل، بل تعمقت، وصانع القرار الذي فشل في التسعينيات في توفير بدائل لشبابه، لا يزال يجلس على نفس الكرسي ليُدير نفس الفشل.
من التخبط الداخلي إلى المغامرات الإقليمية
يبدو أن هذا الجمود الدبلوماسي الداخلي قد انسحب ليصبح سياسة خارجية هجومية، لكنها مبنية على قراءات خاطئة وخطيرة.
ففي محاولة لهروب النظام من إخفاقاته الداخلية (والتي تتجلى في أبسط الأمور كالعجز المستمر عن توفير طائرات إطفاء الحرائق رغم الوعود المتكررة منذ 2021)، نراه ينخرط في مغامرات إقليمية غير محسوبة العواقب.
تفيد تقارير ومصادر مطلعة أن هناك تحركاً جزائرياً لدعم ما يُسمى بـ”الحزب الوطني الريفي” الانفصالي في المغرب، في خطوة تصعيدية قد تصل إلى تبني الإعلان عن “حكومة ريفية مؤقتة”.
هذا اللعب بـ”نار الانفصال” في دول الجوار، كرد فعل على تراجع الدبلوماسية الجزائرية في ملف الصحراء والساحل، هو مقامرة انتحارية. فدعم الحركات الانفصالية سيُشرعن التدخل في الشأن الداخلي الجزائري، ويُعطي ذريعة للقوى الأخرى لدعم حركات انفصالية داخل الجزائر نفسها، كحركة “الماك” في منطقة القبائل، مما يضع الوحدة الترابية للبلاد في مهب الريح.
خاتمة: إلى أين؟
إن فضيحة الوثائق البريطانية ليست مجرد حبر على ورق قديم، بل هي مرآة تعكس أزمة بنيوية في كيفية إدارة الدولة الجزائرية.
العزلة الإقليمية المتزايدة، سواء جنوباً في مالي والنيجر، أو غرباً مع المغرب، أو شرقاً في ليبيا، ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة لدبلوماسية فقدت بوصلتها، تعتمد على عقلية الردع العسكري والمناورات السرية بدلاً من الشراكة الاستراتيجية والقوة الناعمة.
الجزائر اليوم بحاجة ماسة إلى تجديد دمائها الدبلوماسية والسياسية، وإلى شفافية تضع المواطن في قلب المعادلة، وليس كورقة مساومة في الغرف المغلقة. الاستمرار في نفس النهج، وإعادة تدوير وجوه الماضي لحل أزمات الحاضر، لن يقود إلا إلى مزيد من العزلة والانكشاف، وتأجيل لانفجار أزمات داخلية قد تكون هذه المرة عصية على الاحتواء.

