الْحُدُودُ الْمُشْتَعِلَةُ وَرِمَالٌ مُتَحَرِّكَةٌ وَمَسِيرَاتٌ غَاضِبَةٌ: خَفَايَا التَّحَرُّكَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ ضِدَّ الْأَزَوَادِيِّينَ… هَلْ يَدْفَعُ الْجَنُوبُ الْجَزَائِرِيُّ ثَمَنَ “الْهَلَعِ الْأَمْنِيِّ” الْعَسْكَرِيِّ؟
عبدالقادر كتـــرة
لم تعد سماء الحدود الجنوبية للجزائر صافية كما كانت؛ فأزيز الطائرات المسيرة (الدرونات) والمروحيات العسكرية بات يكسر هدوء الصحراء الممتدة نحو الساحل الإفريقي.
في الأسابيع القليلة الماضية، تحول الشريط الحدودي المحاذي لمالي والنيجر، وتحديداً في مناطق مثل “تنزواتين” و”برج باجي مختار”، إلى ما يشبه المنطقة العسكرية المغلقة، حيث تنفذ القوات الجزائرية ضربات جوية متتالية استهدفت سيارات تقل منقبين عن الذهب ومهربين، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وتدمير للآليات.
وراء هذا التصعيد العسكري المفاجئ، لا تكمن فقط الرغبة في مكافحة التهريب التقليدي، بل تتوارى تحولات جيوسياسية عميقة، و”هلع أمني” متزايد لدى القيادة العسكرية الجزائرية، مصحوباً بانقلاب جذري في التحالفات التاريخية بالمنطقة.
هاجس السلاح المنفلت و”المنطقة المحرمة” لفهم توقيت هذه الضربات، يجب النظر إلى ما وراء الحدود. فقبل أيام قليلة، شنت “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” هجوماً عنيفاً على معسكر للجيش المالي وقوات “المرتزقة الروس” في وسط مالي، أسفر عن مقتل العشرات واستيلاء الجماعة على ترسانة ضخمة من الأسلحة النوعية والثقيلة.
هذا التطور الميداني الخطير دق ناقوس الخطر في العاصمة الجزائرية.
تخشى القيادة العسكرية الجزائرية من تسرب هذه الأسلحة المنهوبة إلى داخل أراضيها الشاسعة، التي يصعب تأمينها بالوسائل التقليدية.
وبدلاً من عمليات التمشيط البري المعقدة والمكلفة، لجأ الجيش الجزائري إلى سياسة “الضربة الاستباقية” عبر الطائرات المسيرة، متخذاً مقاربة قاسية تعتمد على تدمير أي هدف متحرك في المناطق الحدودية دون تمييز بين مهرب محروقات، أو منقب عن الذهب، أو عنصر مسلح، في محاولة لفرض طوق أمني بالنار.
– التخلي عن حلفاء الأمس
بموازاة هذا التصعيد الميداني، تشهد الغرف الدبلوماسية تحولاً دراماتيكياً. فقد قررت الجزائر، التي كانت ترعى “اتفاق السلم والمصالحة” في مالي (2015)، إدارة ظهرها بالكامل لحلفائها التقليديين من الحركات الأزوادية (الطوارق والعرب).
جاء هذا التحول بعد زيارات متبادلة وتقارب ملحوظ مع المجلس العسكري الحاكم في باماكو، حيث أعلنت الجزائر صراحة دعمها لوحدة الأراضي المالية ووقوفها ضد أي محاولات لتقسيم مالي، وهو ما ينسف المطالب التاريخية للأزواديين.
يرى مراقبون أن هذا “الانقلاب” الجزائري لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج حسابات جيوسياسية معقدة.
فالجزائر تسعى لاسترضاء باماكو لضمان عدم اصطفافها إلى جانب المغرب في ملف الصحراء، وهي مستعدة في سبيل ذلك للتضحية بعلاقتها مع الأزواديين.
– مفارقة صارخة وازدواجية معايير
هذا الموقف الجديد وضع الدبلوماسية الجزائرية في موقف بالغ الحرج أمام المجتمع الإقليمي والدولي.
فالأزواديون اليوم يطرحون تساؤلاً جوهرياً: كيف للجزائر أن تحتضن جبهة البوليساريو وتسلحها وتدافع بشراسة عن حقها المزعوم في “تقرير المصير” والانفصال عن المغرب، بينما تقف في نفس الوقت بالمرصاد للأزواديين، وتدعم باماكو عسكرياً وسياسياً لسحق حركاتهم التي تطالب بنفس الحقوق في شمال مالي؟
هذه الازدواجية في المعايير لم تعد مجرد مادة للسجال السياسي، بل تحولت إلى غبن حقيقي يشعر به سكان الشمال المالي، الذين باتوا يرون في الجزائر طرفاً معادياً بعد أن كانت تعتبر نفسها “الأخ الأكبر” وراعي السلام في المنطقة.
– تداعيات اللعب بالنار
إن الخطر الحقيقي الذي تواجهه الجزائر اليوم لا يكمن فقط في تسرب السلاح، بل في الارتدادات الاجتماعية والأمنية لهذه السياسة القاسية.
المنقبون والمهربون الذين استهدفتهم المسيرات الجزائرية ينتمون في الغالب إلى قبائل الطوارق والعرب التي تمتد جذورها وعائلاتها عبر طرفي الحدود.
قصف هؤلاء بلا هوادة سيخلق حالة من الاحتقان الشديد لدى سكان الجنوب الجزائري، وقد يولد رغبات انتقامية تدفع بعض العناصر نحو العمل الفردي (الذئاب المنفردة) ضد المصالح العسكرية والاقتصادية الجزائرية في عمق الصحراء.
الجزائر اليوم تقف على رمال متحركة؛ فمحاولتها إطفاء حرائق الساحل عبر التخلي عن الأزواديين وقصف المناطق الحدودية عشوائياً، قد لا تنجح في تأمين حدودها بقدر ما تساهم في استعداء قبائل بأكملها، لتجد نفسها تدفع فاتورة باهظة في منطقة لم تعد تقبل بأنصاف الحلول.

