زِلْزَالُ كُولُومْبِيَا بِالْأَرْقَامِ: 74 ثَانِيَةً وَضَعَتْ مِنَ الرُّعْبِ مِلْيُونَيْ كُولُومْبِيٍّ أَمَامَ اخْتِبَارِ الْبَقَاءِ… مَقْتَل 82 شَخْصاً وَعَشَرَاتُ الْجَرْحَىٰ فِي حَصِيلَةٍ مُؤَقَّتَةٍ وَدَمَارٌ وَشَلَلُ حَرَكَةِ الطَّيَرَانِ
عبدالقادر كتـــرة
لم يكن صباح يومه الإثنين، العاشر من غشت 2026، يوماً اعتيادياً في كولومبيا. ففي تمام الساعة 07:34 صباحاً بالتوقيت المحلي (12:34 بالتوقيت العالمي المنسق)، اهتزت الأرض بعنف شديد، محولةً روتين الصباح الهادئ في مدن الغرب الكولومبي إلى مشاهد مروعة من الفوضى والدمار. زلزال عنيف بلغت قوته 7.4 درجات على مقياس ريختر —رغم أن التقديرات المحلية الأولية لوحدة إدارة مخاطر الكوارث قدرته بـ 6.6 درجات— ضرب على عمق سحيق يتراوح بين 107 و 110.3 كيلومترات، واضعاً حوالي مليوني نسمة تحت وطأة هزة زلزالية شديدة.
هذا الحدث، الذي دفع نظام “باجير PAGER” التابع لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية لإصدار إنذار “برتقالي” يُنذر بخسائر بشرية واقتصادية فادحة، كان كافياً لإيقاظ مخاوف دفينة في بلد يقع على خطوط صدع نشطة، مخلفاً وراءه ندوباً عميقة في البنية التحتية وتساؤلات حرجة حول مرونة الاقتصاد الكلي في مواجهة الكوارث المفاجئة.
حصيلة مفجعة ودمار متفرق اللقطات الميدانية والتقارير الرسمية التي توالت في الساعات الأولى للكارثة نقلت صورة حية لحجم المأساة؛ حيث بلغ إجمالي عدد الوفيات المؤكدة ما لا يقل عن 82 شخصاً، وأصيب أكثر من 69 آخرين بجروح متفاوتة. وتوزعت خريطة الدمار بشكل مأساوي على عدة مدن رئيسية:
– في بيريرا: سُجلت الحصيلة الأثقل بوفاة 18 شخصاً، وسط تقارير عن انهيار جزء من كنيسة “سان خوسيه” التاريخية، واستمرار وجود أشخاص محاصرين تحت أنقاض مباني أخرى.
– في كالي: ابتلعت سحب الغبار شوارع المدينة إثر انهيار ما لا يقل عن 20 مبنى بالكامل أو جزئياً، في حين تسابق فرق الإنقاذ الزمن لانتشال العالقين داخل الهياكل المنهارة.
– في مانيزاليس: تم الإبلاغ عن مقتل شخصين على الأقل، وتدمير ما لا يقل عن 12 مبنى و20 منزلاً بشكل جزئي أو كلي.
– في مقاطعة تشوكو: سُجلت أضرار جسيمة في المباني، لا سيما في العاصمة كيبدو التي شهدت وقوع عدة إصابات.
شلل البنية التحتية واختبار سلاسل الإمداد لم تقتصر الأضرار على الخسائر البشرية والمباني السكنية، بل طالت الشرايين الحيوية للبلاد. فقد أعلنت هيئة الطيران المدني تعليقاً فورياً لعمليات الملاحة في ستة مطارات رئيسية (بيريرا، مانيزاليس، كيبدو، أرمينيا، كارتاغو، وبوينافينتورا) لإجراء تقييمات عاجلة للسلامة بعد الإبلاغ عن أضرار هيكلية.
هذا الشلل اللوجستي السريع حوّل المدن المتضررة إلى جزر معزولة مؤقتاً. ومن منظور الاقتصاد الكلي، يفرض هذا الزلزال تحديات بنيوية معقدة؛ فالانقطاعات التي طالت شبكات الطاقة والاتصالات في مناطق حيوية، كمنطقة زراعة القهوة ومقاطعة تشوكو، تهدد بإرباك سلاسل الإمداد لواحد من أهم قطاعات التصدير في البلاد.
علاوة على ذلك، تأتي فاتورة إعادة الإعمار لتضيف أعباء مالية غير مبرمجة على ميزانية الدولة، مما يضع السياسات النقدية والمالية الكولومبية أمام اختبار حقيقي لإدارة الأزمة دون التسبب في اختلالات تضخمية.
نحو إعادة بناء مرنة الاستجابة الفورية للكارثة أظهرت تضافراً محلياً ودولياً، إلا أن فشل العديد من الهياكل في الصمود أمام الهزة يسلط الضوء بقوة على الفجوة الاستثمارية في تحديث الأكواد العمرانية لمقاومة الزلازل. إن زلزال العاشر من غشت ليس مجرد حدث عابر في السجل الجيولوجي لكولومبيا، بل هو نقطة تحول تفرض مراجعة شاملة لسياسات التخطيط الحضري.
بينما تستمر جهود انتشال الضحايا وتضميد الجراح، يبرز التحدي الأكبر: تحويل هذه الأزمة المأساوية إلى فرصة لتأسيس بنية تحتية أكثر صلابة، واقتصاد قادر على امتصاص الصدمات في منطقة لا تتوقف الأرض فيها عن الحركة.

