رِسَالَةُ وَاشِنْطُنَ الصَّارِمَةُ لِلْجَزَائِرِ: الصَّحْرَاءُ الْمَغْرِبِيَّةُ وَالسَّاحِلُ وَالطَّاقَةُ، الثُّلَاثِيَّةُ الْخَفِيَّةُ لِزِيَارَةِ مَسْعَدَ بُولِسَ
عبدالقادر كتـــرة
نشرت وكالة الأنباء الجزائرية قصاصة إخبارية عن استقبال الرئيس الجزائري لوفد امريكي برئاسة مسعد بولس المستشار الامريكي للرئيس ترامب، جاءت فيها…:
“استقبل رئيس الجمهورية الجزائرية عبد المجيد تبون مسعد بولس المستشار الرفيع للرئيس الأمريكي لإفريقيا والشؤون العربية والشرق الأوسط.
حضر اللقاء من الجانب الجزائري إبراهيم مراد وزير دولة مكلف بالمفتشية العامة لمصالح الدولة والجماعات المحلية، أحمد عطاف وزير دولة وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية وعمار عبّة مستشار لدى رئيس الجمهورية مكلف بالشؤون الدبلوماسية.
وعن الجانب الأمريكي مارك شابيرو القائم بالأعمال لدى سفارة الولايات المتحدة الأمريكية والسيدة سارة نايت مكلفة بالقضايا الدبلوماسية المرافقين للمستشار الأمريكي”.
هل هذه الزيارة المفاجئة غير المبرمجة، لها علاقة بالنزاع المفتعل لقضية الصحراء المغربية التي ستناقش خلال شهر اكتوبر المقبل في جلسة لمجلس الأمن ومن المنتظر أن يخرج بقرار هام لإنهاء النزاع؟
أو بقضية قطع النظام الجزائري للعلاقات مع الإمارات؟
أو قضية التحقيقات حول النزاعات التي يفتعلها النظام العسكري الجزائري في الساحل مع جيرانه؟
لم تكن زيارة مسعد بولس، المستشار الرفيع للرئيس الأمريكي لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط، إلى الجزائر مجرد جولة بروتوكولية لتبادل المجاملات، بل جاءت كرسالة أمريكية صارمة تضع النظام الجزائري أمام حقيقة عزلته الدبلوماسية المتزايدة.
تأتي هذه الخطوة في توقيت حاسم يسبق اجتماعات مجلس الأمن في أكتوبر، لتكشف عن نفاد صبر واشنطن تجاه سياسة الهروب إلى الأمام التي تنتهجها الدبلوماسية الجزائرية في المنطقة.
– نهاية أسطورة “الطرف الملاحظ”
الإدارة الأمريكية، التي تتسم ببراغماتية عالية وتوجهات حاسمة، لم تعد تتقبل السردية الجزائرية المكررة التي تدعي البقاء على مسافة من نزاع الصحراء المغربية باعتبارها مجرد “ملاحظ”.
رسالة واشنطن واضحة: من يستضيف ويسلح ويمول ويوجه جبهة البوليساريو هو طرف أصيل في النزاع.
الزيارة تضع قصر المرادية أمام إلزامية العودة إلى “الموائد المستديرة” والتوقف عن عرقلة المسار الأممي الذي ترعاه الولايات المتحدة بصفتها “صاحبة القلم” في مجلس الأمن.
– التخبط أمام تيار الإجماع الدولي
يجد النظام الجزائري نفسه اليوم يغرد خارج السرب الدولي، متشبثاً بأطروحات تجاوزها الزمن. ففي الوقت الذي تتعزز فيه دينامية الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية — والتي انطلقت باعتراف واشنطن التاريخي بسيادة المغرب، وتكللت مؤخراً بمواقف حاسمة من قوى أوروبية كبرى كفرنسا وإسبانيا — تصر الجزائر على معاكسة هذا التيار، مما يكرس صورتها كعنصر معرقل للاستقرار في شمال إفريقيا.
– الفاتورة الاقتصادية: تنمية معطلة واستثمارات حذرة
لا تتوقف تداعيات هذا التعنت الدبلوماسي عند حدود العزلة السياسية، بل تمتد لتلقي بظلالها القاتمة على الواقع الاقتصادي للبلاد ومناخ الاستثمار.
فالرأسمال الأمريكي والغربي، الذي يبحث عن بيئات آمنة ومستقرة، ينظر بعين الريبة إلى دولة تفتعل الأزمات مع محيطها الإقليمي وتضعف فرص التكامل الاقتصادي المغاربي. الإدارة الأمريكية والشركات الكبرى تدرك أن النظام الجزائري يستنزف مقدرات شعبه في تسليح وتمويل كيان انفصالي وشراء صفقات السلاح الروسي، بدلاً من توجيهها نحو تنويع الاقتصاد الذي لا يزال مرتهناً لتقلبات أسعار الغاز والنفط.
هذا التموقع في “المناطق الرمادية” وافتعال التوترات يجعل من شراكات الجزائر الاقتصادية مع واشنطن محدودة للغاية، إذ تتردد المؤسسات الأمريكية في ضخ استثمارات استراتيجية أو نقل تكنولوجيا متطورة لبلد يغلب حسابات العداء على لغة المصالح التنموية المشتركة.
– الهروب من الاستحقاقات الإقليمية
إلى جانب ملف الصحراء، تعكس الزيارة قلقاً أمريكياً من التوجهات الجزائرية التي تساهم في تغذية التوترات، سواء عبر الأزمات المفتعلة مع الجوار والدول العربية الفاعلة، أو عبر الفشل في تقديم مقاربات بناءة في منطقة الساحل التي يتمدد فيها النفوذ الروسي.
أمريكا تطلب اليوم أفعالاً مسؤولة وتنسيقاً شفافاً، لا مجرد مناورات لربح الوقت وتصدير الأزمات الداخلية نحو الخارج.
– محطة أكتوبر في مجلس الأمن
ستضع واشنطن في موقع تضييق الخناق السياسي على الأطراف المعرقلة، مما يضع القيادة الجزائرية أمام خيارين: إما الانعتاق من عقدة الماضي والانخراط الجدي في طي هذا النزاع المفتعل، أو تحمل تبعات العزلة والاصطدام المباشر مع التوجهات الاستراتيجية للقوى الكبرى وخسارة أي فرص حقيقية للنهوض الاقتصادي.

