عَقِيدَةُ الْعَدَاءِ: قِرَاءَةٌ فِي انْهِيَارِ الْأَجِنْدَةِ الِانْفِصَالِيَّةِ لِقَصْرِ الْمُرَادِيَّةِ وَعُزْلَةِ “الْبُولِيسَارْيُو”.. مُخَيَّمَاتُ تِنْدُوفَ.. مِنَ الْمُتَاجَرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَى السِّجْنِ الْمَفْتُوحِ فِي مُوَاجَهَةِ انْتِصَارَاتِ الْمَغْرِبِ

عَقِيدَةُ الْعَدَاءِ: قِرَاءَةٌ فِي انْهِيَارِ الْأَجِنْدَةِ الِانْفِصَالِيَّةِ لِقَصْرِ الْمُرَادِيَّةِ وَعُزْلَةِ “الْبُولِيسَارْيُو”.. مُخَيَّمَاتُ تِنْدُوفَ.. مِنَ الْمُتَاجَرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَى السِّجْنِ الْمَفْتُوحِ فِي مُوَاجَهَةِ انْتِصَارَاتِ الْمَغْرِبِ

عبدالقادر كتـــرة

لعقود طويلة، شكل نزاع الصحراء المفتعل حجر الزاوية في العقيدة السياسية والدبلوماسية للنظام العسكري الجزائري.

لم يكن هذا النزاع يوماً مسألة “تقرير مصير” كما تروج له الآلة الدعائية في قصر المرادية، بل أداة جيوسياسية صُممت بعناية لاستنزاف المملكة المغربية، ومحاولة تحجيم دورها الإقليمي، والبحث عن منفذ وهمي نحو المحيط الأطلسي.

اليوم، ومع توالي الانتصارات الدبلوماسية المغربية والتغيرات الجوهرية في مواقف القوى الدولية، يجد النظام الجزائري نفسه في مواجهة حتمية مع واقع جديد يعري زيف أطروحته.

عقيدة “العدو الخارجي” كطوق نجاة داخلي لفهم الاستماتة الجزائرية في دعم جبهة “البوليساريو” الانفصالية، يجب النظر إلى الداخل الجزائري.

لطالما اعتمدت الطغمة العسكرية الحاكمة على خلق فزاعة “العدو الخارجي” لتوحيد الجبهة الداخلية وصرف النظر عن الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة، ومطالب الشعب الجزائري بالديمقراطية والدولة المدنية.

إن إنفاق مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب الجزائريين على تسليح ميليشيا مسلحة وتمويل حملات ضغط دولية فاشلة، يأتي في وقت تعاني فيه قطاعات حيوية في الجزائر من أزمات هيكلية. لقد أصبح استمرار النزاع “حاجة بقاء” للنظام، وليس دفاعاً عن مبدأ.

مخيمات تندوف: المتاجرة بالمأساة الإنسانية تمثل مخيمات تندوف، الواقعة جنوب غرب الجزائر، واحدة من أطول المآسي الإنسانية في التاريخ المعاصر.

يتخذ النظام الجزائري والبوليساريو من هؤلاء المحتجزين دروعاً بشرية وورقة ابتزاز دولية لجلب المساعدات التي كشفت تقارير دولية (بما فيها تقارير أوروبية) عن اختلاسها الممنهج.

ولعل التطورات الأخيرة المرتبطة بمشروع قانون الجنسية الإسبانية تفضح هذا النفاق بشكل صارخ.

فبمجرد بروز بصيص أمل قد يسمح لسكان المخيمات بالحصول على الجنسية الإسبانية ومغادرة جحيم “الحمادة”، تحركت الآلة الخفية لإجهاض هذا المسار.

قيادة البوليساريو ومن خلفها الجزائر، تدرك يقيناً أن منح حرية التنقل لهؤلاء المحتجزين سيعني تفريغ المخيمات بالكامل، وهو ما سيجردهم من “الكتلة الديموغرافية” التي يتاجرون بها، ويُسقط عنهم ورقة “تمثيل” الصحراويين التي يدعونها زيفاً.

لهذا السبب، ترفض الجزائر بشراسة إحصاء سكان المخيمات من قبل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، خوفاً من انكشاف العدد الحقيقي والتركيبة السكانية التي تضم جنسيات من دول الساحل.

انهيار الأوهام أمام “دبلوماسية القنصليات” على الصعيد الدبلوماسي، يعيش النظام الجزائري حالة من التخبط غير المسبوق. فالمقاربة الملكية المغربية، التي جعلت من الصحراء نظارة ينظر بها المغرب إلى العالم، نجحت في قلب الطاولة.

الاعتراف الأمريكي التاريخي بمغربية الصحراء، والموقف الإسباني الشجاع الداعم لمبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي وجدي، والاعتراف الفرنسي الأخير، إلى جانب الدعم العربي والإفريقي الواسع المترجم بفتح عشرات القنصليات في العيون والداخلة، كلها ضربات قاصمة نسفت نصف قرن من المناورات الجزائرية.

رد الفعل الجزائري على هذه الانتصارات اتسم بالانفعال والقرارات الطائشة؛ من قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، إلى إغلاق المجال الجوي، واستدعاء السفراء من دول سيادية كإسبانيا وفرنسا لمجرد دعمها للحق المغربي. هذه “الدبلوماسية العدوانية” لم تضر بالمغرب الذي واصل مسيرته التنموية بهدوء، بل زادت من عزلة النظام الجزائري إقليمياً ودولياً، وأظهرته كطرف متعنت يرفض قرارات مجلس الأمن التي تدعو صراحة إلى موائد مستديرة بمشاركة الجزائر كطرف رئيسي في النزاع.

الصحراء المغربية: ورش تنموي يفضح الشعارات في الوقت الذي يقبع فيه محتجزو تندوف في ظروف قاهرة، تحولت الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية إلى أقطاب اقتصادية واعدة.

النموذج التنموي الخاص بالأقاليم الجنوبية، الذي أطلقه جلالة الملك محمد السادس، ضخ استثمارات بمليارات الدولارات في البنيات التحتية، الطاقات المتجددة، والموانئ (كميناء الداخلة الأطلسي).

الصحراويون المغاربة اليوم يديرون شؤونهم بأنفسهم عبر مجالس منتخبة ديمقراطياً بنسب مشاركة هي الأعلى وطنياً، مما يفرغ أطروحة الانفصال من أي مضمون شرعي أو ديمقراطي.

خلاصة القول، إن رياح التاريخ لا تسير في صالح الأطروحات الانفصالية الموروثة عن حقبة الحرب الباردة.

النظام العسكري الجزائري يواجه اليوم حقيقة لا مفر منها: العالم طوى صفحة “البوليساريو”، ومبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هي الأفق الوحيد والواقعي لحل هذا النزاع المفتعل.

حان الوقت لكي يدرك قادة قصر المرادية أن الاستمرار في معاداة الوحدة الترابية للمغرب لن يجلب لهم سوى المزيد من العزلة، وأن بناء فضاء مغاربي مزدهر ومستقر لن يمر إلا عبر بوابة احترام سيادة الدول وإنهاء دعم الميليشيات المسلحة.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *