كَرَاسِي لَا تَدْفَأُ: التَّكْلِفَةُ الصَّامِتَةُ لِصِرَاعَاتِ الْأَجْنِحَةِ فِي هَرَمِ السُّلْطَةِ الْجَزَائِرِيَّةِ وَجِنِرَالَاتٌ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ… كَيْفَ يُهَدِّدُ غِيَابُ الِاسْتِقْرَارِ الْأَمْنِيِّ مُسْتَقْبَلَ الْمُؤَسَّسَاتِ فِي الْجَزَائِرِ؟
عبدالقادر كتـــرة
في أبجديات الإدارة الاستراتيجية وبناء الدول، تُعتبر الاستمرارية المؤسساتية حجر الزاوية لأي نهضة تنموية أو استقرار سياسي. غير أن المتابع للشأن الداخلي الجزائري يلاحظ مفارقة عجيبة في إدارة أعلى هرم السلطة، وتحديداً داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية الحساسة؛ حيث أصبحت الإقالات المفاجئة، والتغييرات المتلاحقة، عنواناً بارزاً لمرحلة تتسم بالغموض. مسؤولون كبار يُعينون اليوم ليُقالوا غداً، وقيادات تنتقل من مكاتب القيادة إلى زنزانات السجون، وأخرى تُستدعى من خلف القضبان لتتربع على عرش أجهزة استخباراتية وسيادية.
هذا المشهد السريالي، حيث لا يتجاوز عمر المسؤول في منصبه الحساس سنة أو سنة ونصف، يطرح تساؤلاً جوهرياً: كيف يمكن لدولة بحجم الجزائر، بتحدياتها الإقليمية والاقتصادية، أن تبني استراتيجيات طويلة الأمد بأدوات قصيرة الأجل ومسؤولين لا يمتلكون الوقت الكافي حتى لتدفئة كراسيهم؟
متلازمة التغيير وإدارة “توازن الرعب”
إن التغييرات المستمرة في صفوف القيادات العليا للمخابرات والأمن والجيش لا تعكس، في حقيقتها، حركية إدارية صحية لضخ دماء جديدة أو تقييم موضوعي للأداء. بل هي انعكاس مباشر وعميق لحالة من عدم الاستقرار البنيوي، وتجسيد لصراع الأجنحة داخل النظام. في هذا السياق، يتحول التعيين والإقالة إلى مؤشر لميزان القوى الخفي؛ فكل جناح يسعى لتقليم أظافر الجناح الآخر عبر إزاحة رجالاته، مما يجعل مؤسسات الدولة رهينة لمتلازمة “درء الانقلابات”.
هذا التكتيك يحول دون تمكن أي مسؤول أمني أو عسكري من بناء قاعدة نفوذ داخل جهازه قد تشكل تهديداً لصناع القرار المركزيين. والنتيجة هي بقاء الأجهزة في حالة استنفار داخلي دائم، حيث يطغى الهاجس الأمني وتصفية الحسابات على التفكير الاستراتيجي وتطوير منظومة العمل.
شلل القرار والضريبة المؤسساتية
التكلفة الأكبر لهذه الظاهرة لا تقتصر على الأسماء التي تتغير، بل تضرب في صميم فاعلية الدولة.
المسؤول الذي يعيش تحت وطأة التهديد المستمر بالإقالة، أو حتى المتابعة القضائية، يميل تلقائياً إلى “شلل اتخاذ القرار”.
فالمبادرة الجريئة قد تُفسر غداً على أنها تجاوز للصلاحيات، والقرار الاستراتيجي قد يُستخدم كدليل إدانة عند تغير موازين القوى.
هكذا، تتحول المؤسسات الحساسة إلى كيانات بيروقراطية مرعوبة، يكتفي مسؤولوها بتسيير الأعمال اليومية وتجنب الأخطاء، بدلاً من استشراف المستقبل ومواجهة التحديات الكبرى.
يمتد هذا الشلل إلى شرايين الدولة المدنية والاقتصادية؛ فرأس المال جبان بطبعه، والمستثمر الداخلي والخارجي يبحث عن بيئة تتمتع باستقرار الرؤية وثبات المؤسسات.
لا يمكن بناء شراكات اقتصادية موثوقة في بيئة تُتخذ فيها القرارات الكبرى بضوء أخضر من أجهزة لا تستقر قياداتها، ولا تُعرف فيها مراكز القوى الحقيقية من الوهمية.
حتمية الفصل بين الثكنة والسياسة
لقد أثبتت التجارب التاريخية حول العالم أن انغماس المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي اليومي، وتجاوزها لدورها الدستوري والعملياتي، ينتهي دائماً بإضعاف الدولة والجيش معاً.
الجيوش تُبنى لحماية الحدود، ومواجهة التهديدات الخارجية، وصون السيادة الوطنية. وعندما تتحول عقيدتها نحو الداخل لإدارة التوازنات السياسية، تتآكل احترافيتها وتغرق في وحل التجاذبات المصلحية.
الخروج من هذه الدوامة يتطلب إرادة حقيقية لإعادة صياغة العقد السياسي، وتأسيس نظام مدني ديمقراطي تكون فيه الكلمة الفصل لصناديق الاقتراع والمؤسسات الرقابية المستقلة.
إبعاد المؤسسة العسكرية عن التجاذبات السياسية، ووضعها تحت إمرة سلطة مدنية منتخبة، ليس انتقاصاً من قدرها، بل هو حماية لها من صراعات الأجنحة، وحماية للدولة من خطر الانهيار المؤسساتي. فالدول القوية لا تُبنى بالكراسي المهتزة، بل بالمؤسسات الراسخة التي تحترم تخصصاتها وتستمد شرعيتها من استقرارها وخدمتها للصالح العام.

