اِحْتِجَاجُ الْجَالِيَاتِ الْمَغَارِبِيَّةِ وَالتُّونِسِيَّةِ أَمَامَ مَقَرِّ الْيُونِسْكُو عَلَى سَرِقَةِ التُّرَاثِ: مَعْرَكَةٌ ضِدَّ النِّظَامِ الْجَزَائِرِيِّ الَّذِي يَسْعَى إِلَى صِنَاعَةِ الْأُمَّةِ بِـ”النَّسْخِ وَاللَّصْقِ”…

اِحْتِجَاجُ الْجَالِيَاتِ الْمَغَارِبِيَّةِ وَالتُّونِسِيَّةِ أَمَامَ مَقَرِّ الْيُونِسْكُو عَلَى سَرِقَةِ التُّرَاثِ: مَعْرَكَةٌ ضِدَّ النِّظَامِ الْجَزَائِرِيِّ الَّذِي يَسْعَى إِلَى صِنَاعَةِ الْأُمَّةِ بِـ”النَّسْخِ وَاللَّصْقِ”…

عبدالقادر كتـــرة

في أروقة المنظمات الدولية، وتحديداً منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، لم تعد المعارك تقتصر على حماية المعالم المهددة بالانقراض أو التغير المناخي، بل ظهرت جبهة جديدة ومقلقة: جبهة “السطو الثقافي”.

وفي قلب هذا المشهد المثير للجدل، يقف النظام العسكري الجزائري اليوم مفضوحاً أمام العالم، في محاولة يائسة ومستمرة لاختلاق “هوية وطنية” من خلال السطو الممنهج على الموروث الثقافي والتاريخي لجيرانه، وتحديداً المغرب وتونس.

لم يعد الأمر مجرد مناكفات عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، بل تحول إلى سياسة دولة ممنهجة.

من الزليج المغربي الأصيل، مروراً بالقفطان، وصولاً إلى الأنماط الموسيقية العريقة والطبخ المغاربي المشترك، يسارع النظام الجزائري لتقديم ملفات أحادية إلى اليونسكو، مدعياً ملكية حصرية لهذه العناصر.

هذا السلوك “الاستحواذي” لم يمر مرور الكرام؛ فقد أدى إلى تعبئة غير مسبوقة للمجتمع المدني المغاربي والتونسي، وأثار تساؤلات عميقة في الدوائر الدولية حول الدوافع الحقيقية وراء هذا النهم غير المبرر لـ “نسبة” كل ما هو أصيل في المنطقة إلى جهة واحدة.

عقدة الشرعية: لماذا يسرق النظام الجزائري تراث جيرانه؟

لفهم هذه الظاهرة، يجب تفكيك العقلية التي تحكم قصر المرادية. النظام العسكري الجزائري يعاني من أزمة بنيوية تتمثل في “عقدة الشرعية التاريخية”.

في منطقة تزخر بإمبراطوريات ودول ذات امتداد لقرون عديدة، يجد النظام الحالي نفسه مفتقراً للعمق التاريخي المتصل الذي يمنح الأمة هويتها المتجذرة.

بدلاً من بناء سردية وطنية تعتمد على ما هو موجود بالفعل، اختار النظام طريقاً أقصر، ولكنه أخطر: “النسخ واللصق”.

إن محاولة مصادرة تراث الجيران هي محاولة يائسة لترميم صورة مهتزة داخلياً، ولإقناع الداخل الجزائري بوجود عمق تاريخي وحضاري تم “اكتشافه” فجأة.

إنه توظيف رخيص للثقافة في خدمة السياسة، ومحاولة لصناعة هوية مستنسخة لسد الفراغ الذي خلفه الاعتماد المفرط على سرديات سياسية لم تعد تقنع حتى المواطن الجزائري.

انفضاح النوايا: العالم يراقب والمجتمع المدني يتصدى

ما لم يحسب له النظام الجزائري حساباً هو أن العالم لم يعد يعمل بغرف مغلقة. مؤسسات مثل اليونسكو، رغم التحديات البيروقراطية، تخضع اليوم لرقابة صارمة من قبل الخبراء والمجتمع المدني.

التحركات الأخيرة للجاليات المغاربية والتونسية، وتحديداً في فرنسا وأوروبا، والتي تجسدت في دعوات لوقفات احتجاجية أمام مقر اليونسكو للمطالبة بالتحقق الدقيق والشفاف من أصول التراث المتنازع عليه، هي دليل قاطع على أن سياسة فرض الأمر الواقع قد باءت بالفشل.

هذه التحركات المدنية الواعية لا تكتفي بالرفض العاطفي، بل تطالب بلجان مستقلة، وفحص للوثائق التاريخية، والعودة إلى الأرشيفات التي لا تكذب.

هذا الحراك المدني المشترك فضح النوايا الجزائرية أمام المجتمع الدولي. لقد أظهر النظام في الجزائر كطرف يسعى للصراع والمصادرة، في تناقض صارخ مع مبادئ اليونسكو التي تدعو إلى حماية التراث باعتباره إرثاً إنسانياً مشتركاً يعزز التعايش.

تداعيات السلوك: عزلة ثقافية وتمزيق للروابط

إن الإصرار المَرَضي للنظام الجزائري على سرقة تراث الجيران “دون خجل ولا حياء ولا ملل ولا كلل”، كما يصفه المراقبون، يحمل تداعيات كارثية على أكثر من مستوى:

1- العزلة الدولية الثقافية: تفقد الجزائر مصداقيتها في المحافل الثقافية الدولية. عندما يتبين للمجتمع الدولي أن دولة ما تستخدم اليونسكو كأداة لتصفية حسابات إقليمية وتزوير التاريخ، فإن ذلك يعزلها ويجعل ملفاتها المستقبلية محل شك دائم.

2- استنزاف المنظمات الدولية: إن تحويل اليونسكو إلى ساحة لتسوية النزاعات الهوياتية المفتعلة يسيء للمنظمة ويعرقل جهودها الحقيقية في حماية التراث الإنساني.

3- تسميم العلاقات الشعبية: لعل الأخطر في هذا السلوك هو تأثيره المدمر على الروابط الوجدانية والاجتماعية بين شعوب المنطقة.

إن الاستحواذ الثقافي يولد احتقاناً وكراهية، وينسف كل جسور الحوار الممكنة، محولاً ما كان يفترض أن يكون موروثاً مغاربياً يجمع الشعوب، إلى أداة تفرقة تخدم أجندات ضيقة.

خاتمة: الحقيقة التاريخية لا تُصنع بمرسوم

في النهاية، يجب أن يدرك قادة النظام العسكري في الجزائر أن الهوية الوطنية لا تُصنع بمراسيم سياسية، ولا تُبنى بملفات “مفبركة” تُقدم في جنح الظلام للمنظمات الدولية. التاريخ له وثائقه، والجغرافيا لها شواهدها، والحرف المتجذرة في وجدان الشعوب منذ قرون لا يمكن محوها بقرار إداري.

إن فضح هذا السلوك الاستحواذي أمام العالم هو خطوة ضرورية لحماية الذاكرة المغاربية المشتركة. والأهم من ذلك، هو رسالة واضحة بأن التراث ليس غنيمة حرب، وأن محاولة استنساخ هوية من خلال سرقة هويات الجيران هي حماقة سياسية وتاريخية، مآلها الفشل والعزلة.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *