الْجَزَائِرُ: أَطِبَّاءُ مُزَيَّفُونَ فِي قَفَصِ الِاتِّهَامِ.. فِي أَفْضَلِ مَنْظُومَةٍ صِحِّيَّةٍ فِي أَفْرِيقْيَا… تُجَّارُ الْوَهْمِ وَالْحُقَنِ الْمُلَوَّثَةِ: حِينَ يَسْتَغِلُّ الْمُحْتَالُونَ مَنْظُومَةً صِحِّيَّةً تُقَدِّمُ الْعِلَاجَ بِلَسَعَاتِ الْحَشَرَاتِ
عبدالقادر كتـــرة
في سابقة أثارت صدمة وغضب الرأي العام، كشفت السلطات الأمنية والقضائية في الجزائر عن وقائع خطيرة لممارسات غير طبية، أبطالها أشخاص انتحلوا صفة “أطباء”.
من وهران إلى باتنة، تم ضبط عيادات وهمية تُجرى فيها عمليات جراحية معقدة بأدوات ملوثة، وتُستخدم فيها “حقنة واحدة” لعدة مرضى، ناهيك عن أدوية منتهية الصلاحية وعلاجات تقليدية كالعلق الطبي بطرق تفتقر لأدنى شروط السلامة. هذه الجرائم التي ترقى إلى مرتبة “الشروع في القتل” ونشر الأوبئة، تفتح الباب واسعاً لطرح تساؤل جوهري: كيف يقع بعض المواطنين ضحية لـ “عيادات الوهم” في بلد يمتلك واحدة من أقوى المنظومات الصحية في القارة الإفريقية؟
العلاج المجاني وأفضل منظومة صحية إفريقية
من المفارقات العجيبة أن يلجأ البعض لهؤلاء المشعوذين ومنتحلي الصفة، في حين تُصنف الجزائر كصاحبة أفضل منظومة صحية في إفريقيا. هذا التصنيف لم يأتِ من فراغ؛ فالجزائر من الدول القليلة في العالم التي تكرس مبدأ “مجانية العلاج” للجميع، مدعوماً بشبكة واسعة من المستشفيات الجامعية والمراكز الصحية الجوارية التي تغطي كافة أرجاء البلاد، حتى في أعمق نقاط الصحراء. لقد تمكنت المنظومة الصحية الجزائرية من القضاء على العديد من الأمراض الوبائية التي لا تزال تفتك بشعوب القارة، وحققت مؤشرات متقدمة جداً في رفع متوسط العمر المأمول، وخفض وفيات الأمهات والرضع، وتوفير أحدث الأجهزة الطبية والتكفل بعلاجات ثقيلة ومكلفة جداً (كالأورام السرطانية، وجراحات القلب، وتصفية الدم) بشكل مجاني تماماً. لذلك، فإن اللجوء لـ “أطباء الأقبية” ليس مبرراً بغياب الخدمات، بل هو نتيجة لعوامل أخرى يجب التصدي لها.
استغلال ثغرة “الطب البديل” وضعف الوعي
إن المتأمل في قضايا وهران وباتنة يدرك أن هؤلاء المحتالين لم يفتحوا مستشفيات علنية، بل استغلوا غطاء “الطب البديل” و”التداوي بالأعشاب” و”الحجامة”.
مستغلين بذلك قناعات وثقافات شعبية متجذرة، يقومون بالتدريج وتجاوز الخطوط الحمراء نحو ممارسة الجراحة وصرف الأدوية. كما يلعب “الجهل الطبي” وضعف الوعي لدى بعض الشرائح دوراً في وقوعهم ضحايا للوهم. فالمريض الذي يطلب الشفاء السريع قد يتعلق بقشة، ليجد نفسه بين أيدي أشخاص يفتقرون لأي تكوين أكاديمي، يختمون وصفاتهم بأختام وهمية، ويعرضون مرضاهم لخطر الإصابة بفيروسات قاتلة تنتقل عبر الدم بسبب انعدام التعقيم وإعادة استخدام الحقن.
يقظة السلطات وصرامة القانون.. صحة المواطن لا تُساوم
إن التحرك السريع للأمن ومصالح الرقابة، والمطالبة القضائية بإنزال أقصى العقوبات (التي وصلت لالتماس 4 سنوات حبساً نافذاً في قضية وهران)، يعكس يقظة مؤسسات الدولة وحزمها تجاه كل من يحاول المساس بالأمن الصحي للجزائريين.
لقد أثبتت هذه الحوادث أن الرقابة الأمنية والقضائية، مدعومة بتفعيل دور المجتمع المدني (مثل جمعيات حماية المستهلك)، تشكل حصناً منيعاً لتطهير قطاع الصحة من الطفيليين الذين يشوهون صورة الممارسة الطبية.
ختاما، إن المنظومة الصحية الجزائرية هي مكتسب وطني يجب الحفاظ عليه.
وما حوادث الأطباء المزيفين إلا حالات يجب اجتثاثها. لكن، وبالموازاة مع الرقابة والردع القانوني، يقع العبء الأكبر على عاتق المواطن نفسه. الصحة ليست حقلاً للتجارب، والطب علم مبني على سنوات من الدراسة الأكاديمية الدقيقة والتصاريح الرسمية.
إن مسؤولية المواطن اليوم هي التوجه نحو المسارات الطبية القانونية والآمنة التي تكفلها له الدولة، والتبليغ الفوري عن أي مركز صحي أو عيادة مشبوهة، فصحة الجزائريين ومستقبل أجيالهم لا يقبلان المساومة أو العبث.
فيديو للمشاهدة

