أَلْجَزَائِرُ وَالْإِمَارَاتُ وَأَمْرِيكَا: زِيَارَةُ مَسْعَدَ بُولُسَ، حِينَ تُقَاسُ التَّحَالُفَاتُ بِالْأَرْقَامِ لَا بِالْخِطَابَاتِ، تِرِيلْيُونُ دُولَارٍ مَشَارِيعُ… أَبُوظَبِي شَرِيكٌ اسْتْرَاتِيجِيٌّ وَالْجَزَائِرُ شَرِيكٌ تَكْتِيكِيٌّ

أَلْجَزَائِرُ وَالْإِمَارَاتُ وَأَمْرِيكَا: زِيَارَةُ مَسْعَدَ بُولُسَ، حِينَ تُقَاسُ التَّحَالُفَاتُ بِالْأَرْقَامِ لَا بِالْخِطَابَاتِ، تِرِيلْيُونُ دُولَارٍ مَشَارِيعُ… أَبُوظَبِي شَرِيكٌ اسْتْرَاتِيجِيٌّ وَالْجَزَائِرُ شَرِيكٌ تَكْتِيكِيٌّ

عبدالقادر كتـــرة

في السياسة الدولية، لا تتحدث الوقائع دائماً بصوت عالٍ، لكن توقيت الزيارات وحدها يمكن أن يكون رسالة أوضح من البيانات الرسمية. هذا ما كشفته الجولة التي قام بها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، والتي شملت الجزائر ثم الإمارات، في توقيت بالغ الحساسية.

فبعد ثلاثة أيام فقط من إعلان الجزائر قطع علاقاتها مع الإمارات، وإغلاق مجالها الجوي، وسحب اعتماد قناة “سكاي نيوز عربية”، وصل بولس إلى الجزائر في 13 شتنبر.

هناك تحدث بلغة دبلوماسية معتادة عن “الشراكة الأمنية” و”التعاون الإقليمي”. لكنه لم يطل، إذ سافر مباشرة إلى الإمارات ليلتقي عبد الله بن زايد، ويعلن عن شراكة استراتيجية، واستثمارات بقيمة 1.4 تريليون دولار، بينها 200 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تنسيق يومي في ملفات الشرق الأوسط وأفريقيا.

الرسالة الأولى من هذه الجولة موجهة إلى الجزائر. فقيادة البلاد، عبر تصعيدها الأخير ضد الإمارات، كانت تريد فرض عزلة على أبوظبي، أو على الأقل إجبار الحلفاء على اتخاذ موقف. لكن زيارة بولس للجزائر ثم انتقاله الفوري إلى الإمارات أثبتت أن واشنطن لا تنوي الانجرار وراء الخلافات البينية، وأنها تدير علاقاتها ببراغماتية بحتة.

في الجزائر، تحدث الأمريكيون عن الأمن والطاقة. وفي الإمارات، تحدثوا بلغة الأرقام الفلكية والتكنولوجيا والاستثمار. هذا التباين يكشف أن واشنطن تنظر إلى الجزائر كشريك أمني “تكتيكي”، بينما تنظر إلى الإمارات كشريك “استراتيجي وعالمي”.

وهنا يظهر الإحراج الداخلي للقيادة الجزائرية. فبينما يروج الإعلام الرسمي لانتصارات دبلوماسية ولـ”عزلة إماراتية”، جاءت التحركات الأمريكية لتثبت عكس ذلك.

لم تكتفِ واشنطن برفض العزلة، بل ذهبت إلى أبوظبي لتوسيع الشراكة في أكثر الملفات حساسية: الذكاء الاصطناعي، الفضاء، الطيران، وأفريقيا.

أما الإمارات، فخرجت من الجولة أكثر ثباتاً. فبدلاً من الانشغال بالتصعيد الجزائري، واصلت أبوظبي مناقشة مستقبل التكنولوجيا والاستثمار مع واشنطن.

النقطة الأخطر في البيان الإماراتي-الأمريكي كانت “الشراكة في القارة الأفريقية”. فهذا يمثل تنسيقاً أمريكياً مع الإمارات للعب دور أكبر في أفريقيا، وهو ما يفسر الغضب الجزائري، لأن الجزائر تعتبر أفريقيا والساحل امتداداً استراتيجياً لها.

وبالنسبة للمغرب، لم يزر بولس الرباط في هذه الجولة، لكن التنسيق اليومي بين واشنطن وأبوظبي يصب مباشرة في مصلحة المغرب. فالإمارات داعم تاريخي للرباط اقتصادياً وسياسياً، خصوصاً في ملف الصحراء. وأي تعزيز لنفوذ أبوظبي على الساحة الدولية هو تعزيز غير مباشر للموقف المغربي.

كما أن الهجوم الجزائري الأخير الذي يربط بين الاستثمارات الإماراتية في المغرب وحملات إعلامية ضد الجزائر، يعكس قلقاً متزايداً من اندماج الاقتصادين المغربي والإماراتي، وتأثيره على ميزان القوى في شمال أفريقيا.

لكن الساحة الحقيقية للتنافس تبقى منطقة الساحل. هناك، تنسحب فرنسا تدريجياً، وتتمدد روسيا عبر الفيلق الأفريقي. واشنطن تحتاج الجزائر جغرافياً لضبط الحدود ومكافحة الإرهاب، لكنها تدرك أن الجزائر فقدت الكثير من نفوذها السياسي في مالي والنيجر. في المقابل، تمتلك الإمارات أدوات أخرى: الدبلوماسية المالية، الاستثمارات، والتنمية. ونقاش بولس مع بن زايد حول “تعزيز الأمن والتنمية في أفريقيا” يمثل إشارة واضحة إلى أن واشنطن تدعم الرؤية الإماراتية في الساحل، القائمة على الاستثمار الموازي للأمن. وهذا ما يزعج الجزائر التي ترفض أي تواجد خليجي في مساحتها الجيوسياسية.

خلاصة القول، المشهد أن جولة بولس أرست قاعدة واضحة: “المصالح فوق الانفعالات”. واشنطن أوصلت رسالة مبطنة إلى الجزائر بأن التصعيد ضد حليف استراتيجي مثل الإمارات لن يغير أولوياتها الكبرى. كما أن النفوذ في أفريقيا والساحل لن يبقى حكراً على الجغرافيا، بل لمن يملك أدوات الاقتصاد والتكنولوجيا والتنسيق الاستراتيجي. وفي هذا السياق، قد تكون التغييرات العسكرية العميقة داخل الجيش الجزائري استعداداً لمرحلة من التمترس الداخلي والجيوسياسي، في مواجهة واقع إقليمي جديد أكثر تعقيداً.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *