فَارِسَاتُ وَفُرْسَانُ التَّبُورِيدَةِ الْمَغْرِبِيَّةِ فِي الْيُونِسْكُو: دِرْعٌ سِيبِرَانِيٌّ يَسْتَحِيلُ “خَنْشَلَتُهُ” أَوِ السَّطْوُ عَلَيْهِ… لِمَاذَا تَفْشَلُ كُلُّ مُحَاوَلَاتِ نَسْبِ التُّرَاثِ الْمَغْرِبِيِّ لِلْغَيْرِ؟
عبدالقادر كتـــرة
لم يعد خفياً على أحد، في ظل ثورة الاتصال الرقمي وتدفق المعلومات، أن منصات التواصل الاجتماعي قد تحولت إلى ميادين جديدة لصراع الذاكرة والرموز.
وفي هذا السياق المفتوح على كل الاحتمالات، تبرز بين الحين والآخر ظاهرة فريدة أصبحت تُعرف شعبيًا في القاموس الرقمي المغربي بـ”الخنشلة”؛ وهي محاولات ممنهجة ومزاجية لنسب عناصر التراث المادي واللامادي المغربي الأصيل إلى جهات أخرى.
غير أن الرد العملي والتاريخي على هذه المحاولات يثبت يوماً بعد يوم استحالة طمس معالم ثقافة امتدت جذورها في أعماق التاريخ، وفي طليعتها فن “التبوريدة” العريق.
التبوريدة: تاريخ ينطق بالبارود والفروسية
تمثل “التبوريدة”، أو فن الفروسية التقليدية، أكثر بكثير من مجرد استعراض شعبي فلكلوري؛ إنها ملحمة حية تجسد التلاحم الروحي والمادي بين الفارس وخيله وباروده، وهي انعكاس دقيق للتقاليد العسكرية واحتفالات الشرف والكرامة التي طبعت تاريخ المغرب عبر القرون.
وعندما يظهر الفارسات (وهي تقاليد فريدة من نوعها في العالم) والفرسان بجلابيبهم البيضاء الناصعة، وبرانسهم المزركشة، وقفاطينهم الخاصة بالفروسية وهم يمتطون الخيول الأصيلة، فإنهم لا يقدمون لوحة بصرية أخاذة فحسب، بل يسردون حكاية أمة حافظت على استمراريتها وهويتها عبر الأجيال.
هذا العمق التاريخي هو ما يجعل محاولات السطو العشوائي أو التزييف الرقمي تصطدم بصخرة صلبة من الحقائق الدامغة.
المأسسة الدولية: درع واقٍ يحصن التراث
لقد انتقل التراث المغربي من دائرة الموروث الشفوي المحلي إلى مصاف التراث العالمي المحمي بقوة القانون الدولي.
ولعل تتويج “التبوريدة” بإدراجها رسمياً في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونسكو في دجنبر 2021، شكل محطة حاسمة وجهت ضربة قاصمة لكل محاولات الطمس أو الاستحواذ.
فالاعتراف الأممي لا يمنح شهادة ميلاد دولية للتراث فحسب، بل يضع حدوداً فاصلة بين التوثيق العلمي الرصين وبين الادعاءات الافتراضية العابرة للشاشات.
إن وجود رقم تسلسلي واعتراف دولي موثق يجعل من عملية “خنشلة” هذا التراث أمراً مستحيلاً ومثيراً للسخرية في آن واحد، تماماً كمن يحاول حجب ضوء الشمس بصحيفة.
المقاومة الرقمية وحراسة الذاكرة
في مواجهة السجال السائد على بعض المنصات الرقمية، برز جيل جديد من الشباب المغاربة كـ “حراس رقميين” للذاكرة الوطنية.
ولم تعد الردود تقتصر على الانفعال العشوائي، بل تحولت إلى مقاومة رقمية ممنهجة تستند إلى الأرشيف، والوثائق التاريخية، والقرارات الدولية، والصور الحية التي توثق لكل تفصيل مغربي دقيق؛ من خياطة القفطان، مروراً بنقوش الزليج، وصولاً إلى طقوس البارود والفروسية.
هذا الوعي الجمعي المتنامي بأهمية حماية الهوية، والذي يختزله الشارع الرقمي في مفهوم “تمغربيت”، خلق مناعة جماعية تجعل محاولات التشويش تنقلب سحرًا على الساحر؛ إذ تزيد من تعميق أزمة الطرف الآخر وتورطه في تناقضات واضحة تفتقر لأي سند تاريخي أو أكاديمي.
خلاصة القول، إن التراث ليس مجرد ماضٍ يُستذكر، بل هو بوصلة المستقبل وهوية الأمة التي تستمد منها قوتها واستمراريتها.
وإن محاولات “خنشلة” التقاليد المغربية لن تزيد المغاربة إلا إصراراً على توثيق موروثهم، وحمايته، والافتخار به على أوسع نطاق. وحين يتعلق الأمر بالتبوريدة والقفطان وباقي مفاصل الهوية المغربية، سيبقى التاريخ واليونسكو شاهدين على أن الأصالة الأصلية تظل دائماً عصية على القرصنة والتحريف.
فيديوهات للمشاهدة
https://vt.tiktok.com/ZSgmcpY5N/
https://www.facebook.com/share/r/19d1VMyuJ7/
https://www.facebook.com/share/r/1CVyDXassH/
https://www.facebook.
com/share/r/1JubVYhJGx/

