الجُذُورُ المَغْرِبِيَّةُ الأَصِيلَةُ لِقَصَائِدِ “المَلْحُونِ” وَوَهْمُ “الشَّعْبِيِّ”… مِنْ فَاسَ وَمِكْنَاسَ إِلَى عَاصِمَةِ الجَزَائِرِ: رِحْلَةُ القَصِيدَةِ المَغْرِبِيَّةِ بَيْنَ أَصَالَةِ التَّتَلْمُذِ وَسَطْوَةِ الِاسْتِلَابِ

الجُذُورُ المَغْرِبِيَّةُ الأَصِيلَةُ لِقَصَائِدِ “المَلْحُونِ” وَوَهْمُ “الشَّعْبِيِّ”… مِنْ فَاسَ وَمِكْنَاسَ إِلَى عَاصِمَةِ الجَزَائِرِ: رِحْلَةُ القَصِيدَةِ المَغْرِبِيَّةِ بَيْنَ أَصَالَةِ التَّتَلْمُذِ وَسَطْوَةِ الِاسْتِلَابِ

عبدالقادر كتـــرة

يشهد الفضاء الثقافي المغاربي في السنوات الأخيرة جدلاً متصاعداً حول الهوية التراثية، حيث تتجاوز القضية مجرد نقاش فني لتلامس حدود السطو الممنهج على حقوق الملكية الفكرية والتاريخية.

ولعل من أبرز تجليات هذا السطو، ما يتعرض له الموروث الموسيقي والشعري المغربي، وتحديداً فن “الملحون” والقصيدة الزجلية المغربية، التي شكلت، باعتراف الأرشيف الحي، النواة الصلبة والمادة الخام لما يُسمى اليوم في الجزائر بـ”فن الشعبي”.

إن قراءة فاحصة وموضوعية في سجلات التاريخ الفني تكشف بوضوح أن الأغنية المغربية لم تكن يوماً مجرد رافد، بل كانت الأصل والمنبع الذي نهل منه جيل كامل من الفنانين في الجارة الشرقية.

المنبع: القصيدة المغربية وشيوخ الملحون تأسس المعمار الفني للقصيدة المغاربية في حواضر المغرب العريقة؛ فاس، مكناس، تارودانت، ومراكش.

هناك، نحت شيوخ “الكلام الموزون” أمثال سيدي قدور العلمي، والشيخ التهامي المدغري، والشيخ الجيلالي امثيرد، وسيدي عبد الرحمن المجدوب، قصائد شكّلت وجدان المنطقة بأسرها.

هذه القصائد لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل وثائق تاريخية واجتماعية صيغت بلسان الدارجة المغربية القحة (العروبية)، وحملت في طياتها تفاصيل الحياة، وقيم المجتمع المغربي، ومقامات موسيقية معقدة وُلدت من رحم الزوايا والمدارس الصوفية السلطانية التي رعتها الدولة المغربية على مر القرون.

رحلة التتلمذ: من الجزائر إلى حواضر المغرب تاريخياً، لم يكن الفن يعترف بالحدود، لكنه كان يعترف بـ”المعلم”. ولسنوات طويلة، وخلال القرن الماضي، كانت الوجهة الأبرز للفنانين والموسيقيين الجزائريين الباحثين عن التأصيل الفني هي المغرب.

كانوا يأتون للجلوس بين يدي شيوخ الملحون والآلة الأندلسية (الغرناطي)، يتتلمذون على أصول الإيقاع، ويحفظون الدواوين والقصائد المغربية عن ظهر قلب.

لقد اعتمد رواد فن “الشعبي” الجزائري، وعلى رأسهم الحاج امحمد العنقى، والهاشمي قروابي، وعمر الزاهي، بشكل شبه كلي في مسارهم الفني على قصائد الملحون المغربية الخالصة. كانت العلاقة في بدايتها علاقة “تلميذ بمعلمه”، حيث كان الاعتراف وارداً وموثقاً بالفضل للمصدر المغربي.

من التتلمذ إلى الاستنساخ ومحاولات الطمس مع مرور الزمن، وتغير السياقات السياسية، بدأت عملية تحوير ممنهجة. تحولت القصيدة المغربية التي كانت تُغنى في العاصمة الجزائرية باحترام لمصدرها، إلى مادة خاضعة لـ”الجزأرة”.

تم إغفال أسماء الشعراء المغاربة عمداً في الأسطوانات والتسجيلات الإذاعية والتلفزيونية، وتُركت القصائد تُنسب للتراث المجهول أو تُسجل كـ”تراث جزائري”.

لم يقتصر الأمر على الشعبي والملحون، بل امتد للأغنية العصرية والشعبية (كالراي الذي تشكلت لبناته الأولى في الشرق المغربي).

فقد شهدت الساحة الفنية المعاصرة حالات صارخة لفنانين جزائريين سطوا على ألحان وكلمات مغربية معاصرة، وأعادوا إنتاجها بلهجتهم المحلية منسوبة إليهم، مستغلين في فترات سابقة ضعف آليات حماية الملكية الفكرية، أو متذرعين بـ”الاستلهام” عند مواجهتهم بقوة الأرشيف وتاريخ الإصدار الأول.

قوة الأرشيف: الحصن المنيع للذاكرة

إن مواجهة آلة الاستلاب الثقافي لا يمكن أن تعتمد على الانفعال العابر، بل تستوجب العودة الصارمة إلى الأرشيف. فالوثائق السمعية البصرية القديمة، والمخطوطات الشعرية المحفوظة في الخزانات المغربية، والشهادات النادرة لفنانين جزائريين من الرعيل الأول (والتي تطفو إلى السطح بين الفينة والأخرى في زلات لسان أو اعترافات صريحة)، كلها تمثل قرائن مادية وأدلة قطعية تنسف السردية الأحادية التي تحاول تجريد التراث المغربي من امتداداته.

خاتمة: مسؤولية التوثيق والحماية

إن ما تتعرض له الأغنية والقصيدة المغربية هو جرس إنذار يحتم على المؤسسات الثقافية، والباحثين الأكاديميين، والإعلاميين الانخراط الفعال في ورش التوثيق الرقمي والقانوني (WIPO) لحماية هذا الموروث.

القصيدة المغربية، بكلماتها العميقة وألحانها المتجذرة، هي ملكية فكرية غير قابلة للتصرف، وتوثيقها بصرامة علمية هو الرد الحضاري الأقوى على كل محاولات التقليد والسطو. الفن الأصيل كالشجرة الطيبة، أصلها ثابت في أرضها، وإن امتدت فروعها لتظلل الجيران، فلا يمكن للفرع يوماً أن ينكر الجذع الذي يمده بالحياة.

فيديو للمشاهدة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *