مِنْ “عَيْنِ الرَّكَادَةِ” بِبَرْكَانَ إِلَى حَوَاضِرِ فَاسَ: “الْعَلَّاوِيُّ وَالرَّكَادَةُ” تَلَاحُمُ الْجُغْرَافْيَا وَالتَّارِيخِ فِي الشَّرْقِ الْمَغْرِبِيِّ… وَأَرْشِيفُ التِّلْفِزْيُونِ الْجَزَائِرِيِّ يَشْهَدُ بِالْأَصْلِ
عبدالقادر كتـــرة
حين تنطق الجغرافيا ويشهد الأرشيف في خضم النقاشات المتكررة حول ملكية التراث الثقافي اللامادي في منطقة شمال إفريقيا، تبرز الفنون الأدائية في المنطقة الشرقية للمملكة المغربية، وعلى رأسها رقصتا “الرگادة” و”العلاوي”، كواحدة من أوضح الشواهد على تلاحم الإنسان بالأرض والتاريخ.
فبينما تحاول بعض القراءات المعاصرة فصل هذه الفنون عن حاضنتها الأصلية، تأتي الحقائق الجغرافية الراسخة على الأرض، مدعومةً بالوثائق الأرشيفية الرسمية — بما فيها أرشيف التلفزيون الجزائري نفسه — لتضع النقاط على الحروف وتؤكد أن لكل تراث منبعه الذي لا يمكن القفز عليه.
أولاً: “الرگادة”.. التراث الذي يحمل اسم أرضه في إقليم بركان لا يحتاج الباحث في أصول رقصة “الرگادة” إلى عناء كبير في تقفي أثر التسمية والمنشأ؛ فالجغرافيا المغربية تقدم الدليل المادي المباشر.
فـ”الرگادة” ليست مجرد إيقاع موسيقي أو لوحة فلكلورية، بل هي اسم علم لجماعة وبلدة “عين الرگادة” الواقعة في قلب إقليم بركان بالجهة الشرقية للمملكة المغربية، عند سفوح جبال بني يزناسن الشامخة.
في هذا المجال الجغرافي الممتد عبر بركان، وأحفير، وتافوغالت، ووجدة، وتاوريرت، وصولاً إلى الناظور وحوض ملوية، نشأت رقصة الرگادة كفن حربي احتفالي أصيل.
ارتبطت هذه الرقصة تاريخياً ببطولات قبائل بني يزناسن والقبائل الشرقية في ذودها عن حياض الوطن، حيث كانت تُؤدى احتفالاً بالنصر بعد المعارك. وتتسم حركاتها بدلالات رمزية عميقة:
– دكّ الأرض بالأقدام: إعلاناً عن الثبات والتجذر في الأرض وحمايتها.
– هزّ الأكتاف المتناغم: تعبيراً عن القوة والشموخ والتآزر الجماعي داخل الصف.
– حمل البندقية التقليدية (المكحلة) أو العصا: استحضاراً لروح الفروسية والجاهزية الدائمة للدفاع عن القبيلة والوطن.
“العلاوي” و”الرگادة”: صنوان من رحم ثقافي واحد في الموروث الثقافي للشرق المغربي، لا ينفصل “العلاوي” عن “الرگادة”؛ فهما وجهان لعملة تراثية واحدة، يتقاسمان نفس المجال الحيوي، ونفس الآلات الإيقاعية والنفخية التراثية (الغيطة، الزمر، البندير، والقلال)، ونفس اللباس التقليدي المتمثل في الجلباب، والبرنس، والعمامة البيضاء، والمحزم الجلدي، والبلغة.
ويكمن التمايز الفني الدقيق بينهما في سرعة الإيقاع وبعض التشكيلات الحركية التي يقودها “الشيخ” أو “مقدم الفرقة” الذي يضبط إيقاع الصفوف بصرامة وتناغم بديع.
ثانياً: شهادة الأرشيف الجزائري.. الجذور المغربية لرقصة العلاوي
إذا كانت الجغرافيا قد حسمت منشأ “الرگادة” بوجود بلدة “عين الرگادة” في بركان، فإن التاريخ الموثق حسم بدوره أصول رقصة “العلاوي” وانتشارها نحو الغرب الجزائري، وذلك بشهادة المؤسسات الإعلامية والأكاديمية الجزائرية ذاتها.
ففي وثيقة مصورة محفوظة ضمن أرشيف الذاكرة المتوسطية (medmem.eu) ومقتطفة من برنامج وثائقي بثته القناة الجزائرية الرسمية (Canal Algérie) حول تاريخ الرقصات الفلكلورية، يسلط التقرير الضوء على أصل رقصة العلاوي التي يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر الميلادي. ويورد التقرير التلفزيوني الجزائري شهادة حاسمة للباحث الجزائري “ياسلي بن عمر”، يؤكد فيها أن رقصة وموسيقى العلاوي المنتشرة في منطقة “سبدو” (ولاية تلمسان) لدى قبيلة “أولاد نهار”، تعود في أصلها التاريخي إلى العلويين المنحدرين من الأدارسة في المغرب، والذين هاجروا من مدينة فاس واستقروا في جبال العمور وتخوم تلمسان وعين الصفراء والبيض.
هذه الوثيقة الأرشيفية الصريحة تضع حداً لأي التباس؛ فهي تثبت أن تواجد فن “العلاوي” في مناطق من الغرب الجزائري المحاذية للحدود المغربية لم يكن وليد صدفة أو منشأً محلياً معزولاً، بل هو ثمرة امتداد بشري وقبلي، وهجرات تاريخية انطلقت من العمق المغربي (حاضرة فاس والشرق المغربي) حاملةً معها إرثها الثقافي والفني إلى مناطق استقرارها الجديدة.
ثالثاً: الحفاظ على الأصالة بين المنبع والامتداد من الجوانب اللافتة التي كشفها التقرير الأرشيفي الجزائري، مداخلة مدير الثقافة “طيبي محمد”، الذي أبدى أسفه لما طال رقصة العلاوي في بعض دور الشباب والمراكز الثقافية في الجزائر من تحوير أفقدها روحها التراثية، حيث تحولت — بحسب تعبيره — إلى ما يشبه “الرقصة الرياضية”، مع إدخال آلات دخيلة عليها مثل “الدربوكة” واستعمال أحزمة من الجلد الصناعي (السكاي) بدل اللوازم الأصيلة.
وفي المقابل، نجد أن هذا الموروث في موطنه الأصلي بالشرق المغربي (بركان، وجدة، جرادة، فجيج، تاوريرت، والناظور) لا يزال يُمارس بقدسية فنية عالية تحترم طقوس الأجداد، سواء في المواسم والمهرجانات الكبرى — مثل مهرجان الفنون الشعبية ومهرجانات التراث ببني يزناسن — أو في الأعراس والمناسبات الوطنية، حيث تتوارث الأجيال صناعة آلات “القلال” و”البندير” وتفصيل الأزياء التقليدية بنفس المعايير العتيقة.
خاتمة: التراث هوية وتاريخ لا يقبل التجزئة
إن القراءة الموضوعية لتاريخ فنون “الرگادة” و”العلاوي” تؤكد أن التراث الثقافي المغربي في الجهة الشرقية يمتلك ركيزتين لا يمكن الطعن فيهما: ركيزة مكانية تجسدها بلدة “عين الرگادة” بإقليم بركان وجبال بني يزناسن، وركيزة تاريخية موثقة في الأرشيفات الدولية والإقليمية تربط هذا الفن بامتداد القبائل والأشراف المغاربة من فاس والشرق المغربي. وإذا كان انتشار هذا الفن عبر الحدود يعكس التثاقف التاريخي وحركة القبائل في فضاء المغرب الكبير، فإن الأمانة العلمية والتاريخية تقتضي دائماً ردّ الفروع إلى أصولها، والاعتراف للمنبع المغربي بفضل التأسيس والأصالة.
فيديو للمشاهدة

