الْمَسْوَدَّةُ الْأَمْرِيكِيَّةُ فِي مَجْلِسِ الْأَمْنِ: شَهَادَةُ وَفَاةٍ أُمَمِيَّةٌ لِأُطْرُوحَةِ الِانْفِصَالِ وَتَكْرِيسٌ حَصْرِيٌّ لِلْحُكْمِ الذَّاتِيِّ الْمَغْرِبِيِّ
عبدالقادر كتـــرة
لم تكن المسودة الأولية (Zero Draft) لمشروع القرار حول الصحراء المغربية، التي وزعتها الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها “حاملة القلم” على أعضاء مجلس الأمن في العشرين من أكتوبر 2026، مجرد وثيقة دبلوماسية روتينية لتجديد ولاية أممية، بل جاءت بمثابة إعلان استراتيجي يطوي نهائياً صفحة الحرب الباردة في شمال إفريقيا.
فلأول مرة منذ عام 1991، تنتقل لغة مجلس الأمن من مربع “تدبير النزاع” إلى مربع “الحسم النهائي” وفق مرجعية سياسية وقانونية واحدة لا تقبل القسمة أو التأويل.
يكمن جوهر التحول الجذري الذي صاغته واشنطن في إرساء معادلة قانونية صارمة داخل الفقرات العاملة للقرار؛ إذ نصت المسودة بوضوح على أن المفاوضات السياسية ستُجرى على أساس وحيد وحصري يتمثل في مبادرة الحكم الذاتي الموسع والمُحيّن التي تقدم بها المغرب، باعتبارها الإطار الواقعي والعملي الوحيد الكفيل بطي هذا النزاع الإقليمي تحت السيادة الوطنية المغربية.
هذه الصياغة تقطع الطريق نهائياً أمام الازدواجية اللغوية التي طالما استغلتها الدبلوماسية الجزائرية وجبهة البوليساريو للترويج لخيارات متجاوزة، وتعلن رسمياً أن خيار “الاستفتاء” قد دُفن في مقبرة التاريخ الأممي.
والأخطر بالنسبة للمعسكر الانفصالي أن المسودة الأمريكية لم تكتفِ بتحديد سقف الحل السياسي، بل أرفقته بآلية ردع غير مسبوقة في تاريخ قرارات الصحراء المغربية؛ حيث لوّح النص صراحة بأن مجلس الأمن مستعد للنظر في اتخاذ “تدابير إضافية” في حال عدم انخراط الأطراف بشكل بنّاء في العملية السياسية أو في حال الإخلال بوقف الأعمال العدائية. وفي القاموس القانوني للأمم المتحدة، لا تعني عبارة “التدابير الإضافية” سوى فتح الباب أمام نظام العقوبات الأممية ضد الطرف المعرقل.
إن قراءة متأنية لمضامين هذه المسودة تكشف أن الإدارة الأمريكية، بتنسيق وثيق مع باريس ولندن، قررت إنهاء حالة “الاستنزاف الدبلوماسي” التي راهن عليها النظام الجزائري لعقود. فالمسودة تضع الجميع أمام استحقاق زمني وموضوعي لا مفر منه: السيادة المغربية خط أحمر غير قابل للتفاوض، والحكم الذاتي هو السقف الأقصى والوحيد، وأي محاولة لعرقلة هذا المسار ستواجه بمطرقة الشرعية الدولية وتدابيرها الزجرية.

