عندما يرسم القراقب.. وجدة تصغي لألوان كناوة “تخرج من المعرض وأذناك ما زالتا ترنان، لكن هذه المرة بالألوان”
عاشق فن كناوة عبد الرحيم باريج
لم يكن رواق الفنون بوجدة مساء البارحة السبت 10 أكتوبر 2026 مجرد جدران علقت عليها لوحات، كان أشبه بزاوية كناوية أعيد بناؤها بالصباغة. منذ اللحظة الأولى لولوجك معرض “ألوان كناوة” الذي تنظمه جمعية بالي آرت للثقافة والفن، تشعر أنك لا تشاهد فقط، بل تسمع.
دعا الفنان التشكيلي شرف الدين بعلي، رئيس الجمعية، 38 فنانة وفنانا إلى تحدٍ صعب: كيف ترسم صوتاً؟ كيف تحول “دَنْ دَنْ” الهجهوج العميق، و”شْقْشْقَة” القراقب المعدنية التي تشق الصمت، إلى لون يمكن أن يعلق؟
اللوحة الأولى تتنفس دخانا أزرق
هناك، لوحة تستقبلك بزرقة عميقة، تكاد تشم منها رائحة البخور. هجهوج أسود ضخم مرسوم بخطوط ذهبية حادة، تخرج من بطنه دوامات لونية كأنها دخان ليلة حضرة. الفنان لم يرسم الآلة، رسم ثقلها. ذلك الصوت الجهوري الذي يهز الصدر.
بجانبها، لوحة أخرى عكسها تماما. انفجار. قراقب معلقة في الفراغ، حولها شظايا حمراء وصفراء وبيضاء تتطاير كأنها شرارات حديد يضرب حديدا. إيقاع سريع، متقطع، يذكرك بأيدي المعلم وهو يقلب القراقب بجنون. لونها ليس زينة، هو الصدمة الصوتية نفسها.
من الجلد إلى اللون
ما يدهشك في المعرض، هو أن الفنانين لم يسقطوا في الفولكلور السهل. لم يرسموا رجلا يلبس قبعة كناوية فقط. ذهبوا أبعد. رسم أحدهم جلد الهجهوج المشدود كأنه خريطة قديمة، تشققاته ودباغته تتحول إلى تضاريس لونية. ورسم آخر حركة الأقدام الحافية وهي تدق الأرض في الحضرة، فجاءت اللوحة عبارة عن بصمات متكررة، سوداء وترابية، بإيقاع بصري يكرر نفسه كإيقاع الطبل.
وهناك لوحة ثالثة صامتة بشكل مقصود، لها خلفية بيضاء، وفي الوسط قرصان معدنيان للقراقب، متقابلان ولا يلتقيان، بينهما فراغ مشحون بلون رمادي متوتر. كأنها اللحظة التي تسبق الضربة. ذلك الصمت الذي يسبق الإيقاع، وهو أصعب ما يمكن رسمه.
بعلي شرف الدين.. المنظم الذي رسم الفكرة قبل اللوحات
هذا الزخم لم يأت صدفة. شرف الدين بعلي، الفنان التشكيلي الذي يقود جمعية بالي آرت ويدير ورشته التكوينية بوجدة، أراد أن يقول إن التراث الكناوي ليس مادة للفرجة فقط، بل هو مختبر بصري. هو يعتقد أن الشاب الوجدي الذي يعرف كناوة من مهرجان الصويرة عبر التلفاز، يمكن أن يلمسها هنا بفرشاته.
يعتبر الفنان ذ.شرف الدين واحد من أبرز الوجوه الصاعدة في الفن التشكيلي في جهة الشرق، معروف بطموحه في نشر الثقافة الفنية وتنمية المواهب. أقام ورشة فنية جديدة في وجدة افتتحها مؤخرا تحت إشرافه، لتكون فضاء لتطوير المهارات وتشجيع الإبداع في الرسم والفنون التشكيلية، وتقدم الورشة دورات لكل الفئات العمرية أطفال وشباب وكبار، ويعتمد تقنيات الرسم بالألوان الزيتية والمائية والتشكيل بالطين والكولاج والخط العربي والوسائط المتعددة والبورتريه والتصميم الرقمي، ويدعم الفنانين الناشئين لتحضيرهم للمعارض المحلية والدولية، ويطمح أن تبقى الورشة منبر إقليمي للفن يحتضن معارض دورية.
والمعرض الذي يستمر برواق الفنون إلى غاية 20 أكتوبر، ليس معرضا للاستهلاك. هو ورشة مفتوحة. فرقة كناوية حية كانت تعزف أثناء الافتتاح، واللوحات كانت ترد عليها. كأنك تشاهد حوارا بين جيلين، جيل يحفظ الإيقاع في صدره، وجيل يحاول أن يحفظه في عينه.









