ذاكرة الاستعمار تحن اليه وتقترح منح الجنسية الإسبانية بمقتضى مقترح القانون 122/000072 أي منطق هذا ؟

ذاكرة الاستعمار تحن اليه وتقترح منح الجنسية الإسبانية بمقتضى مقترح القانون 122/000072 أي منطق هذا ؟

سليمة فراجي

لا يتعلق الأمر هنا بمجرد مقترح قانون إسباني يمنح الجنسية لأشخاص ولدوا في الصحراء المغربية خلال فترة الاستعمار الإسبانية. المسألة أعمق من ذلك بكثير، لأنها تفتح سؤالاً سياسياً وقانونياً مشروعاً:
هل يجوز لدولة كانت تدير إقليماً استعمارياً أن تعود، بعد عقود من انسحابها، لتبني على فترة استعمارها امتيازاً قانونياً خاصاً لسكان ذلك الإقليم؟
المقترح الإسباني، رقم 122/000072، يتعلق بمنح الجنسية الإسبانية عن طريق carta de naturaleza للصحراويين المولودين في صحرائنا الخاضعة لسيادة المغرب خلال فترة الإدارة الإسبانية، مع ترتيب آثار إضافية بالنسبة إلى أبنائهم. وقد أُخذ المقترح بعين الاعتبار في مجلس النواب الإسباني، وهو اليوم في مسار تشريعي متقدم، لكنه لم يصبح قانوناً نافذاً بعد. (Congreso de los Diputados⁠)
قد ترى إسبانيا إن الأمر يتعلق بتسوية وضع تاريخي وبـ«روابط خاصة» نشأت خلال فترة إدارتها للإقليم. لكن هنا بالضبط يبدأ السؤال الحقيقي:
إذا كانت الإدارة الإسبانية في الصحراء كانت استعماراً انتهى بانسحاب إسبانيا، فكيف تتحول مرحلة الاستعمار نفسها، بعد مرور نصف قرن ، إلى أساس لإنشاء امتياز قانوني خاص في مجال الجنسية؟
الأغرب أن المنطق نفسه، إذا أُطلق من عقاله، يمكن أن يقود إلى أسئلة تاريخية عبثية.
فمملكة غرناطة قامت سنة 1232 وانتهت بسقوط غرناطة سنة 1492، أي بعد نحو 260 عاماً من الحكم الإسلامي في آخر معاقل المسلمين بالأندلس. وتقر اليونسكو بأن غرناطة والحمراء تحملان إلى اليوم آثاراً استثنائية للحضارة الإسلامية التي تشكلت هناك. (UNESCO Documentation⁠)
فهل يمكن، بعد قرون، أن تقول دولة في الضفة الجنوبية للمتوسط: بما أن أجداد بعض الإسبان ولدوا في ظل الحكم الإسلامي للأندلس، فلهم اليوم حق خاص في الحصول على جنسية دولة أخرى؟ طبعاً لا.
وليس لأن المثالين متطابقان تاريخياً أو قانونياً؛ بل لأن الفكرة نفسها تكشف حدود هذا المنطق.
الجنسية ليست شهادة اعتراف تاريخي بمرحلة استعمارية، ولا ينبغي أن تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج آثار استعمار انتهى.
إسبانيا دولة ذات سيادة، ومن حقها أن تشرع في مسائل جنسيتها. لكن عندما تختار، في سياق قضية الصحراء المغربية ، أن تستند إلى فترة إدارتها الاستعمارية للإقليم لإنشاء وضع قانوني خاص لفئة من سكانه، فإن الأمر يتجاوز البعد الإداري البحت ويكتسب حمولة سياسية واضحة.
وهنا لا بد من التذكير بأن النص نفسه لا يقتصر على الجنسية الفردية؛ فهو يقترح أيضاً ترتيبات لفائدة الأبناء المباشرين لمن يحصلون على الجنسية بموجب هذه المسطرة، بما يوسع آثار المبادرة إلى ما بعد الجيل الأول. (Congreso de los Diputados⁠)
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط:
لماذا تريد إسبانيا منح الجنسية لهؤلاء؟
بل:
لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الصيغة؟ ولماذا بناءً على صلة نشأت في ظل الإدارة الاستعمارية الإسبانية لإقليم لم تعد إسبانيا تديره منذ عقود؟
لا أقول إن هذا المقترح يغيّر، بمجرده، الوضع القانوني للصحراء المغربية أو ينشئ سيادة إسبانية عليها. ولا يجوز أيضاً الخلط بين الجنسية والسيادة من الناحية القانونية.
لكن من حقنا أن نتساءل عن الرسالة السياسية التي يحملها تشريع من هذا النوع.
فحين تنسحب الدولة المستعمِرة من الإقليم، يفترض أن تنتهي معها آثار إدارتها السياسية، لا أن تعود بعد عقود لتوظف تلك الإدارة نفسها كأساس لمنح امتيازات قانونية خاصة.
وإلا فإلى أين يمكن أن يقودنا هذا المنطق؟
هل يمكن لكل دولة استعمرت إقليماً أن تحتفظ إلى الأبد بحقوق سياسية وقانونية خاصة تجاه سكانه، بحجة أنهم ولدوا أثناء فترة استعمارها؟
إذا كان الجواب نعم، فنحن لا نتحدث عن تصفية الاستعمار، بل عن إطالة عمره بأدوات قانونية جديدة.
وهنا تحديداً تكمن خطورة المسألة.
التاريخ لا ينبغي أن يتحول إلى جسر تعبر فوقه السياسة كلما أرادت إعادة ترتيب الحاضر.
والسؤال الذي يستحق أن يطرح بصوت مرتفع هو:
هل تريد إسبانيا معالجة إرث تاريخي … أم إعادة إنتاجه؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *