الرَّصَاصُ الرَّقْمِيُّ: كَيْفَ تَفْضَحُ تَغْرِيدَةُ كَاهِنٍ إِسْبَانِيٍّ خَطَرَ “الأَخْبَارِ الزَّائِفَةِ” عَلَى الجِوَارِ؟ أَوْ حِينَ يُغَرِّدُ رَجُلُ الدِّينِ بِلُغَةِ المُدَافِعِ ثم يحذف التَغْرِيدَة ويعتذر..دُرُوسٌ قَاسِيَةٌ مِنْ أَزْمَةِ “سَبْتَةَ”

الرَّصَاصُ الرَّقْمِيُّ: كَيْفَ تَفْضَحُ تَغْرِيدَةُ كَاهِنٍ إِسْبَانِيٍّ خَطَرَ “الأَخْبَارِ الزَّائِفَةِ” عَلَى الجِوَارِ؟ أَوْ حِينَ يُغَرِّدُ رَجُلُ الدِّينِ بِلُغَةِ المُدَافِعِ ثم يحذف التَغْرِيدَة ويعتذر..دُرُوسٌ قَاسِيَةٌ مِنْ أَزْمَةِ “سَبْتَةَ”

عبدالقادر كتـــرة

في عصر الفضاءات المفتوحة، لم يعد الخطر على العلاقات بين الدول يأتي فقط من الأزمات الدبلوماسية الكبرى، بل بات يتسلل خلسة عبر شاشات الهواتف المحمولة.

تغريدة واحدة، محملة بعبء التاريخ ومعلومات مضللة، كادت أن تشعل جدلاً واسعاً بين ضفتي المتوسط، لولا التدخل الحازم للمؤسسات.

ما صدر عن القس “خافيير أيثبون”، كاهن الأبرشية الإسبانية، حول المهاجرين في سبتة، يضعنا أمام تساؤل جوهري: كيف يمكن للعالم الرقمي أن يوقظ أسوأ ما في ماضينا؟

فخ التضليل والخوارزميات

لم تكن تصريحات الكاهن وليدة قراءة سياسية أو واقعية، بل كانت نتيجة مباشرة لسقوطه في فخ “الأخبار الزائفة”.

لقد اعتمد في هجومه على شائعات لا أساس لها حول طبيعة المهاجرين الوافدين، مما يعكس كيف تلعب خوارزميات منصات التواصل، وخاصة “إكس”، دوراً في عزل المستخدمين داخل “غرف صدى” تغذي مخاوفهم وتضخمها. المفارقة هنا أن رجلاً يفترض أن يبحث عن الحقيقة الروحية، أصبح ضحية سهلة للتضليل الرقمي الذي تروج له الآلة الدعائية لليمين المتطرف.

عودة الشبح الاستعماري الأخطر في هذه الواقعة لم يكن فقط رفض الهجرة، بل النبش في قبور التاريخ لاستدعاء مصطلحات عفى عليها الزمن.

الحديث عن “استعادة موريتانيا الطنجية” أو التغني بـ”تنصير المغرب” وتمني “قصف الرباط”، هي هلوسات تاريخية تكشف أن الشبح الاستعماري لا يزال حياً في لاوعي البعض. هذا الخطاب لا يهاجم المهاجرين كأفراد يبحثون عن حياة أفضل، بل يهاجم هوية بأكملها، محولاً الأزمة الإنسانية إلى حرب دينية وحضارية تجاوزتها البشرية.

درع العلاقات الرسمية ومسؤولية النخب لحسن الحظ، أثبتت هذه الأزمة أن “الدرع الرسمي” الذي يحمي العلاقات المغربية الإسبانية بات صلباً بما يكفي لامتصاص هذه الصدمات.

التحرك السريع لرئيس أساقفة بامبلونا لسحب البساط من تحت قدمي الكاهن وإجباره على الاعتذار، يثبت وعي النخب الإسبانية المعتدلة بخطورة هذا الانزلاق. مدريد والرباط تبنيان اليوم مستقبلاً مشتركاً عنوانه “كأس العالم 2030” والشراكة الاستراتيجية، ولا مجال لترك الساحة للأصوات الراديكالية لتعكير هذا الصفو.

نحو “أمن رقمي ومجتمعي” مشترك

إن التحدي الحقيقي الذي تفرزه هذه الحادثة يتجاوز حدود السياسة والأمن التقليدي. نحن اليوم بحاجة إلى “أمن ثقافي ورقمي” مشترك بين المغرب وإسبانيا. يجب على وسائل الإعلام، والمجتمع المدني، والمؤسسات الدينية في كلا البلدين العمل معاً لتفكيك خطاب الكراهية، وتصحيح الصور النمطية، ومحاربة التضليل الذي يستهدف شيطنة الآخر.

ختاما، لقد حُذفت التغريدة وطُويت صفحة الكاهن باعتذار رسمي، لكن الأثر الذي تركته يجب أن يكون درساً مستداماً. البحر الأبيض المتوسط لا يحتاج إلى مزيد من المدافع الافتراضية أو الحروب الكلامية، بل يحتاج إلى قادة رأي يبنون جسوراً للتعايش، ويدركون أن مصير الضفتين كان وسيبقى مشتركاً.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *