مِنْ وَهْمِ “جَبَرُوتٍ” إِلَى صَدْمَةِ “جَزَرُوتٍ”.. زِلْزَالٌ سِيبِرَانِيٌّ يَضْرِبُ الْعَسْكَرَ الْجَزَائِرِي… فَضِيحَةُ تَسْرِيبِ 32 جِيجَابَايْت: كَيْفَ تَحَوَّلَتِ الدِّعَايَةُ ضِدَّ الْمَغْرِبِ إِلَى مَجْزَرَةٍ رَقْمِيَّةٍ فِي الْجَزَائِرِ؟

مِنْ وَهْمِ “جَبَرُوتٍ” إِلَى صَدْمَةِ “جَزَرُوتٍ”.. زِلْزَالٌ سِيبِرَانِيٌّ يَضْرِبُ الْعَسْكَرَ الْجَزَائِرِي… فَضِيحَةُ تَسْرِيبِ 32 جِيجَابَايْت: كَيْفَ تَحَوَّلَتِ الدِّعَايَةُ ضِدَّ الْمَغْرِبِ إِلَى مَجْزَرَةٍ رَقْمِيَّةٍ فِي الْجَزَائِرِ؟

عبدالقادر كتـــرة

لا شيء يكشف عورة الأنظمة أكثر من اختبارات الواقع، خاصة عندما تُستبدل استراتيجيات التحصين الداخلي بحملات الدعاية الوهمية.

لسنوات، عاشت الآلة الإعلامية والسياسية الجزائرية على وقع انتصارات افتراضية، لعل أبرزها تلك الاحتفالات الصاخبة باختراق وهمي أطلقت عليه اسم “جبروت”، سوّقت من خلاله نصراً دونكيشوتياً على النظام الأمني المغربي. لكن سخرية القدر تأبى إلا أن ترد الصاع زلزالاً؛ فبينما كانت العيون موجهة نحو الغرب لافتعال بطولات من ورق، كانت الأبواب الخلفية للمنظومة الدفاعية الجزائرية مشرعة على مصراعيها، لتستيقظ البلاد على كارثة أسميها “جَزَرُوت” حقيقية ارتكبت “مجزرة” سيبرانية حقيقية في جيش الجزائر…

لم يكن تسريب 32 جيغابايت من البيانات العسكرية الحساسة للجيش الجزائري مجرد اختراق عابر، بل هو “مجزرة سيبرانية” بكل المقاييس. نتحدث هنا عن هويات، عناوين، أرقام هواتف لضباط وعسكريين، وتفاصيل دقيقة حول التجهيزات والأسلحة وتوزيع الوحدات.

هذا الانكشاف الاستراتيجي غير المسبوق لا يعكس فقط ضعف البنية التحتية الرقمية، بل يعري هشاشة عقلية أمنية بأكملها.

عقلية فضّلت الاستثمار في صناعة العدو الوهمي وتصدير الأزمات، بدلاً من بناء جدران حماية حقيقية تواكب تحديات حروب الجيل الخامس.

المفارقة هنا صارخة؛ النظام الذي انتشى طويلاً بالسخرية من جيرانه واحتفل بانتصارات سيبرانية لا وجود لها إلا في استوديوهات قنواته، يجد نفسه اليوم عاجزاً عن حماية أدق أسرار مؤسسته العسكرية وأكثرها حيوية.

إن فضيحة الاختراق الأخير ليست مجرد فشل تقني يمكن تداركه بتحديث بعض الخوادم، بل هي سقوط ذريع لـ “بروباغندا” الاستقواء.

وفي خضم هذه المفارقة، تتجلى بوضوح الهوة السحيقة بين مدرستين متناقضتين في الإدارة الأمنية. فبينما يتبنى المغرب استراتيجية أمنية استباقية وهادئة، ترتكز على التحديث المستمر للبنى التحتية الرقمية، وتأهيل كفاءات وطنية عالية التدريب، وبناء شراكات أمنية واستخباراتية موثوقة على المستوى الدولي بعيداً عن ضجيج الاستعراض، لا تزال العقيدة الأمنية الجزائرية أسيرة لمنطق الارتجال ورد الفعل المتأخر.

الرباط لا تبحث عن انتصارات افتراضية لترميم الواجهة، بل تعمل في صمت لتحصين جدارها الأمني ودرء التهديدات قبل تشكلها؛ وفي المقابل، أثبتت هذه الكارثة السيبرانية أن الأجهزة في الجارة الشرقية لا تلتفت لثغراتها القاتلة إلا بعد وقوع الفأس في الرأس وتناثر أسرارها العسكرية في الفضاء المفتوح. هذا التباين الصارخ يثبت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الأمن القومي الحقيقي يُبنى بصدق التخطيط ونجاعة الإنجاز، وليس بضجيج الشعارات وافتعال الأزمات.

لقد أثبتت حادثة التسريب أن بناء السيادة الرقمية لا يتم عبر منصات التواصل الاجتماعي أو البيانات الرنانة، بل يتطلب عملاً مؤسساتياً صامتاً وكفاءات حقيقية. اليوم، تقف القيادة الجزائرية أمام مرآة الواقع بعيداً عن وهم “الجبروت” المزعوم، لتواجه حقيقة “الجزروت” المريرة: منظومة أمنية هشة ومخترقة حتى النخاع، تدفع ثمن انشغالها بهواجس العداء الخارجي على حساب أمنها القومي الداخلي.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *