عُقْدَةُ الْأُنْبُوبِ الْمَفْقُودِ: هَكَذَا أَرَّقَ مَشْرُوعُ نِيجِيرْيَا-الْمَغْرِبِ مَضَاجِعَ النِّظَامِ الْجَزَائِرِيِّ… مِن حِبْرِ الْوَرَقِ إِلَى شَوَاطِئِ الْأَطْلَسِيِّ تَحَوَّلَ “أُنْبُوبُ الْغَازِ” إِلَى كَابُوسٍ جَزَائِرِيٍّ دَائِمٍ

عُقْدَةُ الْأُنْبُوبِ الْمَفْقُودِ: هَكَذَا أَرَّقَ مَشْرُوعُ نِيجِيرْيَا-الْمَغْرِبِ مَضَاجِعَ النِّظَامِ الْجَزَائِرِيِّ… مِن حِبْرِ الْوَرَقِ إِلَى شَوَاطِئِ الْأَطْلَسِيِّ تَحَوَّلَ “أُنْبُوبُ الْغَازِ” إِلَى كَابُوسٍ جَزَائِرِيٍّ دَائِمٍ

عبدالقادر كتـــرة

شكلت أنابيب الطاقة عبر التاريخ شرايين حيوية لا تحرك الاقتصاد فحسب، بل ترسم خرائط النفوذ السياسي والدبلوماسي للدول. ومنذ أكثر من عقد من الزمان، يتابع المتابعون للشأن الإقليمي مفارقة سوريالية ومثيرة للفضول: مشروع طاقي ضخم ينبض بالعمل الهادئ والمثابرة الدبلوماسية والاقتصادية بعيداً عن صخب الكاميرات، في مقابل جارة شرقية تحولت خطاباتها الرسمية ومنابرها الإعلامية إلى منصات شبه يومية للتشكيك، والتهكم، وتحليل “استحالة” قيام المشروع المنافس.

إنه صراع الحقيقة والوهم بين مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب ومشروع نيجيريا-الجزائر المعطل.

أربعون سنة من الحبر على ورق

عادت فكرة ربط حقول الغاز النيجيرية بأوروبا عبر الجزائر لتطفو على السطح في ثمانينيات القرن الماضي.

لأكثر من أربعين عاماً، ظل مشروع “أنبوب الغاز العابر للصحراء” مجرد حبر على ورق، يحيط به الغموض وتعرقل مساره التحديات البنيوية والجيوسياسية.

ومع مرور السنين، لم تتغير سوى الأرقام المعلنة وتصريحات المسؤولين المتفائلة التي تصطدم دوماً بجدار الواقع الصخري؛ فأنبوب يمتد لأكثر من أربعة آلاف كيلومتر عبر منطقة الساحل الأفريقي — وهي اليوم إحدى أكثر بؤر التوتر والأمن الرخو اشتعالاً في العالم، فضلاً عن تقلبات العلاقات السياسية واهتزاز الشراكات — لا يمكن له أن يتحول إلى حقيقة على أرض الواقع في ظل انعدام الضمانات الأمنية وهشاشة البنى التحتية الإقليمية.

عقد من العمل مقابل هوس الخطابات

في المقابل، انطلق مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب قبل نحو عشر سنوات بخطى مدروسة وثابتة.

لم يكن المشروع مجرد فكرة استعراضية، بل صيغ وفق مقاربة تنموية تعتمد على “الدبلوماسية الهادئة” والشراكة المربحة للجميع (Win-Win)، عابراً 13 دولة أفريقية في مسار أطلسي قاري يخدم مئات ملايين البشر ويوفر ممرات طاقية آمنة ومستقرة نحو السوق الأوروبية. وعلى مدار السنوات الماضية، تجاوز المشروع مراحل دقيقة من دراسات الجدوى الهندسية والتمويلية والمؤسساتية، وأصبح اليوم قاب قوسين أو أدنى من مراحل التنفيذ النهائي والتنزيل العملي، مدعوماً بثقة مؤسسات مالية إقليمية ودولية كبرى أدركت جدواه الاقتصادية والجيوسياسية.

هذا التقدم الملموس والاقتراب من خط النهاية هو ما خلق حالة من “الرعب والهلع” داخل أروقة النظام العسكري الجزائري.

فبينما يلتزم المغرب الصمت المطبق والعمل المتواصل لتحقيق الإنجاز، تفقد المؤسسة الحاكمة في الجزائر أعصابها تدريجياً، لتتحول إلى ما يشبه “المهووس” الذي يستحضر المشروع المغربي في كل مناسبة، مستهزئاً مرة بالتمويل، ومشككاً أخرى في الطول والمسار، ومحصياً تارة عدد الدول المجاورة. يعكس هذا السلوك خوفاً عميقاً من خسارة أوراق النفوذ التاريخية واحتكار إمدادات الغاز الموجهة نحو الضفة الأخرى من المتوسط.

الاقتصاد في مهب العصبية السياسية

لا شك أن نجاح مشروع نيجيريا-المغرب يمثل منافساً شرساً ومقلقاً للاقتصاد الجزائري المعتمد أحادياً على المحروقات، والذي يواجه أصلاً تحديات هيكلية وتراجعاً في القدرة التنافسية. لكن الأضرار الأكبر لا تكمن فقط في الجانب الاقتصادي البحت، بل في الكلفة السياسية والنفسية لهذا الهوس الذي يعاني منه النظام الجزائري؛ فعوض الانكباب على إصلاح الأوضاع الداخلية الملحة وتأمين البنية التحتية الوطنية، ينفق النظام طاقاته في معركة عبثية ضد حتمية التاريخ والتطور الإقليمي.

إن قصة هذين الأنبوبين تختصر بوضوح صراع نموذجين في المنطقة: نموذج يبني مستقبله بالعمل الصامت والاندماج الاقتصادي القاري، وننموذج يستهلك طاقاته في الهجوم على إنجازات الآخرين وتضخيم الأوهام. ووحده المستقبل القريب سيثبت أن لغة الأرقام والمصالح المشتركة هي التي تحسم المشاريع الكبرى، لا أصوات الخطب الحماسية الفارغة.

 

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *