السِّيَاسَةُ تَتَوَقَّفُ عِنْدَ الحُدُودِ: مِنَ الرَّاضِي إِلَى تِشُرْشِلْ.. جَبْهَةٌ مُوَحَّدَةٌ ضِدَّ حُرُوبِ الإِعْلَامِ الأَجْنَبِيِّ… المَسَافَةُ بَيْنَ النَّقْدِ وَالخِيَانَةِ أَمَامَ الإِجْمَاعِ الوَطَنِيِّ لِإِحْبَاطِ الِابْتِزَازِ الجِيُوسِيَاسِيِّ

السِّيَاسَةُ تَتَوَقَّفُ عِنْدَ الحُدُودِ: مِنَ الرَّاضِي إِلَى تِشُرْشِلْ.. جَبْهَةٌ مُوَحَّدَةٌ ضِدَّ حُرُوبِ الإِعْلَامِ الأَجْنَبِيِّ… المَسَافَةُ بَيْنَ النَّقْدِ وَالخِيَانَةِ أَمَامَ الإِجْمَاعِ الوَطَنِيِّ لِإِحْبَاطِ الِابْتِزَازِ الجِيُوسِيَاسِيِّ

عبدالقادر كتـــرة
تمثل حرية الاختلاف، والمحاسبة، والمعارضة نبض أي مشهد سياسي واقتصادي نشط؛ فهي المحرك الأساسي للتنمية داخل الأوطان. لكن تكشف التحولات الجيوسياسية الراهنة أن هذا السجال الداخلي سرعان ما يتحول إلى جدار وطني صلب بمجرد عبور الحدود، حيث تتلاشى الانتماءات الحزبية لصالح المصلحة العليا.
إن التمييز بين معارضة السياسات الحكومية في الداخل، والانخراط في حملات تشويه مؤسسات الدولة في الخارج، لم يعد مجرد خيار سياسي، بل هو صمام الأمان الاستراتيجي لحماية الأوطان من الاختراق.
النموذج المغربي: خطوط حمراء لا تقبل المساومة
في المشهد المغربي، تشكلت عقيدة سياسية وإعلامية صارمة ترفض رفضاً قاطعاً توظيف المنابر الأجنبية لتصفية الحسابات الداخلية. ولعل الانسحاب الشهير للقيادي الراحل عبد الواحد الراضي من قناة “فرانس 24” عام 2015 يمثل تجسيداً حياً لهذه العقيدة؛ إذ فضّل مغادرة الأستوديو على الهواء مباشرة بدلاً من الاستماع لمحاولات النيل من المؤسسة الملكية وتاريخ البلاد.
لم يقتصر هذا الموقف على الساسة، بل امتد إلى النخبة الأكاديمية والإعلامية والرياضية. فقد سجلنا مراراً انسحابات مشرفة لمحللين وصحفيين مغاربة، أمثال الإعلامي عبد الصمد ناصر، رفضاً للانخراط في أجندات إعلامية معادية، أو احتجاجاً على أي مساس بالوحدة الترابية للمملكة عبر عرض خرائط مبتورة تفصل المغرب عن صحرائه.
إن هذه المواقف ترسل رسالة قاطعة: مؤسساتنا وسيادتنا ليست مادة للاستهلاك أو الابتزاز في شاشات تبحث عن الإثارة على حساب استقرارنا.
عُرف عالمي لقيادات تاريخية
لا يُعد هذا السلوك استثناءً مغربياً، بل هو قاعدة ذهبية راسخة في الممارسة الدبلوماسية للدول العريقة.
الزعيم البريطاني وينستون تشرشل صاغ هذا المبدأ بوضوح حين قال: “عندما أكون في الخارج، أجعل من قاعدتي ألا أنتقد حكومة بلدي أبداً”.
وفي الولايات المتحدة، أرسى السيناتور الجمهوري آرثر فاندنبرغ قاعدة “السياسة تتوقف عند حافة المياه”، داعماً خصمه السياسي الرئيس ترومان في السياسة الخارجية، إدراكاً منه أن انقسام الجبهة الداخلية أمام العالم يُضعف الموقف التفاوضي للدولة.
تحصين السيادة في مواجهة حروب الجيل الرابع
تكتسي هذه المواقف المبدئية أهمية مضاعفة اليوم، خصوصاً في حوض البحر الأبيض المتوسط ومنطقة شمال إفريقيا والساحل، حيث تتقاطع المصالح الكبرى ومشاريع البنية التحتية الاستراتيجية.
تعمد بعض القوى إلى توظيف قنواتها كأذرع ناعمة لشن حروب إعلامية موجهة، هدفها شيطنة المؤسسات السيادية وتأجيج التوترات الجيوسياسية.
عندما يرفض الفاعل السياسي أو الأكاديمي الانخراط في هذه اللعبة، فإنه يجرّد تلك المنابر من “شرعيتها” ويُسقط ورقة الابتزاز الدبلوماسي، مؤكداً أن التدافع من أجل تطوير الأوطان يُمارس داخلها، أما في الخارج، فالجميع جنودٌ في معركة الدفاع عن السيادة.
للتذكير فقط، هناك عدة مواقف مماثلة ومشهورة لشخصيات، ومسؤولين، وإعلاميين مغاربة آثروا الانسحاب، أو رفض المشاركة، أو التضحية بمناصبهم في قنوات أجنبية؛ تعبيراً عن رفضهم الإساءة للمغرب، ومؤسساته السيادية، ووحدته الترابية:
انسحب القيادي الاتحادي الراحل عبد الواحد الراضي (رئيس مجلس النواب ووزير العدل السابق) من برنامج “وجهاً لوجه” على قناة فرانس 24 في نوفمبر 2015، رافضاً الاستمرار في حلقة تحولت إلى منصة للتهجم على المؤسسات الوطنية المغربية.
وكانت تفاصيل وخلفيات هذا الموقف كالتالي:
سياق الحلقة: خُصصت الحلقة لمناقشة الذكرى الـ50 لاختطاف الزعيم الوطني المهدي بنبركة ونضاله ضد الاستعمار وفي عهد الاستقلال.
سبب الانسحاب: وافق الراضي على المشاركة بهدف تسليط الضوء على التاريخ النضالي لبنبركة، وليس للدخول في سجال سياسي وضيق. لكنه أبدى استياءً كبيراً من تحامل الضيف الآخر في الحلقة (الناشط الحقوقي فؤاد عبد المومني) الذي وجه انتقادات حادة وهجوماً على المؤسسة الملكية والرسالة الملكية الموجهة للمشاركين في ذكرى بنبركة.
الموقف الوطني: اعتبر عبد الواحد الراضي أن التمادي في جلد بلده ومؤسساته الوطنية على شاشة أجنبية يتجاوز حدود النقاش التاريخي المسؤول، فقرر مغادرة البث مباشرة على الهواء.
حظي هذا الموقف حينها بإشادة واسعة من لدن المتتبعين المغاربة، الذين اعتبروا خطوة الراحل “درساً في الوطنية والممارسة السياسية الرزينة”، مبيناً الفارق بين معارضة الداخل والدفاع عن السيادة والمؤسسات الوطنية في الخارج.
هناك عدة مواقف مماثلة ومشهورة لشخصيات، ومسؤولين، وإعلاميين مغاربة آثروا الانسحاب، أو رفض المشاركة، أو التضحية بمناصبهم في قنوات أجنبية؛ تعبيراً عن رفضهم الإساءة للمغرب، ومؤسساته السيادية، ووحدته الترابية.
ويمكن تصنيف أبرز هذه المواقف السيادية والإعلامية كالتالي:
1. إعلاميون ضحّوا بمناصبهم دفاعاً عن بلدهم
الإعلامي عبد الصمد ناصر (قناة الجزيرة – 2023): يُعد من أبرز المواقف الإعلامية الحديثة. فقد رفض التراجع عن تغريدة نشرها على حسابه الشخصي يدافع فيها عن شرف وكرامة المرأة المغربية ضد إساءة من التلفزيون الرسمي الجزائري. وعندما خيرته إدارة قناة الجزيرة بين حذف التغريدة أو المغادرة، اختار مغادرة القناة فوراً بعد 24 عاماً من العمل بها.
2. انسحابات مباشرة على الهواء لرفض الإساءة والخرائط المبتورة
الأستاذ الجامعي والمحلل الموساوي العجلاوي (قناة ميدي 1 وسياقات مغاربية): في مواقف متعددة، أعلن محللون وأكاديميون مغاربة انسحابهم من برامج حوارية دولية (مثل فرانس 24 أو قنوات عربية) بمجرد محاولة المذيعين توجيه النقاش للمس بالوحدة الترابية للمملكة، أو عند إظهار خريطة المغرب مبتورة من صحرائه في الأستوديو.
الرياضيون والفنانون المغاربة: تكررت انسحابات لـرياضيين ومسؤولين بجامعات رياضية مغربية من مؤتمرات صحفية أو ندوات في الخارج؛ احتجاجاً على استغلال منابر رياضية لتمرير رسائل سياسية معادية للمغرب، أو بسبب بتر خريطة المملكة في الشاشات الخلفية للقاعات.
3. مقاطعة شاملة لوسائل إعلام بسبب “التحيز ضد المغرب”
يونس مجاهد (رئيس المجلس الوطني للصحافة سابقاً – 2023): أعلن رسمياً مقاطعته ورفضه المشاركة في برنامج “منتدى الصحافة” على قناة فرانس 24. وجاء موقفه معللاً بأن القناة أصبحت “تنحاز بشكل مفضوح ضد المغرب” وتعتمد “البروباغندا” بدلاً من المهنية والحياد عند مناقشة القضايا المغربية.
4. مواقف دبلوماسية تاريخية بالانسحاب من قمم دولية
وعلى المستوى السياسي الرسمي، يطبق المغرب دائماً سياسة حاسمة في الانسحاب من أي نشاط دولي يمس سيادته:
الانسحاب من القمم الإفريقية والعربية: انسحب الوفد المغربي (ومعه وفود دول عربية شقيقة) من قمم عدة (مثل القمة العربية الإفريقية في غينيا الاستوائية 2016)؛ احتجاجاً على وضع لافتة أو إقحام وفد لكيان وهمي غير معترف به من لدن الأمم المتحدة.
تؤكد هذه المواقف مجتمعةً وجود “إجماع وطني غير مكتوب” بين النخبة المغربية (سواء في المعارضة، أو الأغلبية، أو الإعلام)، يفرض وضع الخلافات السياسية الداخلية جانباً، والوقوف في جبهة واحدة للدفاع عن مصالح المغرب وسيادته ومؤسساته في المحافل والشاشات الدولية.

فيديو للمشاهدة حول انسحاب الراحل عبدالواحد الراضي من قناة فرانس24:

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *