نَبِيلَةُ مُنِيب أَمَامَ الصَّحَافَةِ الإِسْبَانِيَّةِ… سُقُوطُ زَعِيمَةِ اليَسَارِ فِي فَخِّ “تَصْدِيرِ” المُعَارَضَةِ… دَرْسُ الرَّاحِلِ عَبْدِ الوَاحِدِ الرَّاضِي المَفْقُودُ: لِمَاذَا تُخْطِئُ بَعْضُ النُّخَبِ بَوْصَلَةَ النَّقْدِ خَارِجَ الحُدُودِ؟
عبدالقادر كتـــرة
السيدة نبيلة منيب قيادية في حزب مغربي وممثلة المغاربة في البرلمان المغربي ومرشحة تحالف اليسار بدائرة الدار البيضاء-أنفا المغربية، جلست أمام منبر إسباني لتفتح دفتر الاتهامات ضد بلدها: لا ديمقراطية أوليغارشية، قمع، فساد، ريع مؤسسات فاقدة للثقة… وكأن المطلوب ليس نقد اختلالات المغرب، بل تقديم المغرب نفسه في قفص الاتهام أمام جمهور أجنبي…..
حينها تذكرت جيدا يوم حلت السيدة مارتين اوبري سنة 2012، بمدينة وجدة، وكانت أنذاك زعيمة الاشتراكيين الفرنسيين في ليل (شمال فرنسا) ومترشحة إلى الانتخابات الرئاسية في 2012، وسألتها، بصفتي مراسلا صحفيا لجريدة وطنية مغربية، عن قرارها وظروف ترشيحها ووزن المترشحين معها والأوضاع السياسية والاقتصادية التي كانت تمر بها فرنسا…. فأجابتني: “عذرا سيدي. أنا لا أتحدث عن أوضاع بلدي فرنسا إلا في فرنسا ولإعلام بلدي….”.
وتذكرت كذالك يوم انسحب القيادي الاتحادي الراحل عبد الواحد الراضي (رئيس مجلس النواب ووزير العدل السابق) من برنامج “وجهاً لوجه” على قناة فرانس 24 في نونبر 2015، رافضاً الاستمرار في حلقة تحولت إلى منصة للتهجم على المؤسسات الوطنية المغربية…
اعتبر عبد الواحد الراضي أن التمادي في جلد بلده ومؤسساته الوطنية على شاشة أجنبية يتجاوز حدود النقاش التاريخي المسؤول، فقرر مغادرة البث مباشرة على الهواء.
وحظي هذا الموقف حينها بإشادة واسعة من لدن المتتبعين المغاربة، الذين اعتبروا خطوة الراحل “درساً في الوطنية والممارسة السياسية الرزينة”، مبيناً الفارق بين معارضة الداخل والدفاع عن السيادة والمؤسسات الوطنية في الخارج.
وهناك عدة مواقف مماثلة ومشهورة لشخصيات، ومسؤولين، وإعلاميين مغاربة آثروا الانسحاب، أو رفض المشاركة، أو التضحية بمناصبهم في قنوات أجنبية؛ تعبيراً عن رفضهم الإساءة للمغرب، ومؤسساته السيادية، ووحدته الترابية.
واليوم، أثار خروج شخصية سياسية معارضة بحجم نبيلة منيب لانتقاد الشأن الداخلي عبر منبر إسباني جدلاً قديماً متجدداً حول الحدود الفاصلة بين المعارضة الشرسة والأعراف الوطنية التي تحكم تدبير الخلافات.
ففي أوائل شتنبر 2026، جلست الأمينة العامة السابقة للحزب الاشتراكي الموحد أمام كاميرات صحيفة “أوك دياريو” الإسبانية في الدار البيضاء، لتفتح دفتر اتهامات ثقيل ضد النظام السياسي المغربي، متحدثة عن غياب الديمقراطية، وتغول “الأوليغارشية”، وتفشي الفساد، وانهيار ثقة الشباب في مؤسسات بلدهم.
هذه المصطلحات ليست غريبة عن القاموس السياسي لمنيب، فهي تمثل تياراً راديكالياً اعتاد تسمية الأشياء بمسمياتها القاسية.
لقد تطرقت بوضوح إلى ملف الهجرة، رافضة ربطه بمحاولات تحرير سبتة ومليلية، ومؤكدة أن قوارب الموت هي نتيجة طبيعية لغياب العدالة الاجتماعية وتفشي البطالة. كما لم تتردد في انتقاد استنزاف الموارد المائية المغربية لصالح زراعات تصدر نحو السوق الأوروبية، مؤكدة في الوقت ذاته على مغربية سبتة ومليلية وضرورة استرجاعهما عبر التفاوض الدبلوماسي دون تصعيد.
المشكلة هنا لا تكمن في مضمون الخطاب، بل في المنصة التي احتضنته. توجيه هذا النقد اللاذع لجمهور أجنبي، وتحديداً في إسبانيا التي تراقب الداخل المغربي بحساسية جيوسياسية مفرطة، يضع هذه التصريحات في خانة تقديم الذخيرة المجانية لجهات خارجية. فالنقد الموجه للمواطن المحلي يهدف إلى التعبئة والتغيير، بينما توجيه نفس النقد الثقيل في صحيفة أجنبية يتحول إلى مادة جاهزة للتشهير، حيث يغيب السياق المعقد الذي يفهمه المغاربة.
في عام 2012، وخلال احتدام السباق نحو الرئاسيات الفرنسية، سُئلت زعيمة الاشتراكيين الفرنسيين آنذاك، مارتين أوبري، من طرف صحافة أجنبية عن ظروف فرنسا السياسية والانتقادات الموجهة للحكومة. فكان جوابها الصارم: “عذراً.. أنا لا أتحدث عن أوضاع بلدي فرنسا إلا في فرنسا ولإعلام بلدي”.
هذا الموقف يجسد تقليداً عريقاً في الديمقراطيات، حيث يتوقف الخلاف الحزبي عند الحدود، وتتحول المعارضة إلى جبهة متماسكة أمام الأجنبي، إدراكاً منها أن إضعاف صورة المؤسسات خارجياً يمس برصيد الدولة بأكملها، وليس فقط الحكومة.
سياسياً، قد تدفع منيب ثمن هذا الخروج الإعلامي تراجعاً في منسوب التعاطف الشعبي. فالمزاج العام المغربي، رغم كل انتقاداته للوضع الداخلي، يميل إلى رفض الاستقواء بالخارج أو التشهير بالبلد، معتبراً أن “غسيل الملابس الداخلية” مكانه الطبيعي هو الداخل.
كما أن هذه الخطوة ستمنح خصومها السياسيين ورقة مجانية لعزلها مؤسساتياً ووصم خطابها بالعدمية.
في نهاية المطاف، المعارضة الوطنية القوية هي تلك التي تبني شرعيتها من قدرتها على مواجهة أزمات الداخل من الداخل، لا تلك التي تحول اختلالات وطنها إلى عناوين مثيرة على صفحات صحف الجوار.

