بَيْنَ ازْدِهَارِ الْمَغْرِبِ وَعُزْلَةِ سَبْتَةَ.. جُغْرَافِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَمَسَارَانِ مُتَنَاقِضَانِ… سِيَاحَةُ الْأَرْقَامِ الْقِيَاسِيَّةِ فِي الْمَغْرِبِ تُقَابِلُهَا غُرَفٌ فَارِغَةٌ فِي سَبْتَةَ.. مَاذَا يَحْدُثُ؟
عبدالقادر كتـــرة
على مسافة لا تتعدى بضعة كيلومترات، ترسم لغة الأرقام صورة لواقعين اقتصاديين متناقضين. فبينما يحتفل المغرب بموسم سياحي استثنائي محطماً أرقاماً قياسية جديدة، تعيش مدينة سبتة على وقع صدمة اقتصادية غير مسبوقة، تكفي لزعزعة استقرارها المالي وتعميق التساؤلات حول مستقبلها.
يندرج النمو السياحي المغربي ضمن استراتيجية شاملة تركز على الاستثمار في البنية التحتية والترويج العالمي، تزامناً مع الاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030 المشترك. أما الحدث في سبتة، فيتعلق بمحاولات عبور فردية وجماعية مستمرة (عبر السباحة أو السياج)، وهي حوادث تضخمها التغطية الإعلامية الإسبانية أحياناً، مما يخلق صورة ذهنية سلبية تضرب عصب الاقتصاد المحلي للمدينة المعتمد على السياحة الصيفية القادمة من الداخل الإسباني.
– لغة الأرقام لا تحابي أحداً
فقد أعلنت وزارة السياحة المغربية عن استقبال 14.1 مليون سائح حتى نهاية غشت 2026، محققة نمواً يعكس نجاح استراتيجية الاستثمار في البنية التحتية والترويج الدولي، خاصة مع اقتراب استحقاقات كبرى مثل كأس العالم 2030.
في المقابل، شهدت سبتة انهياراً دراماتيكياً في حجوزاتها الفندقية بنسبة بلغت 90% خلال نفس الشهر. السبب المباشر لم يكن كارثة طبيعية، بل حادثة اختراق حدودي محدودة شارك فيها حوالي 70 شخصاً، كانت كافية لنشر حالة من التوجس دفعت السياح الإسبان لإلغاء رحلاتهم، مكبدة الاقتصاد المحلي خسائر تقدر بـ 28 مليون يورو في شهر واحد.
– هشاشة النموذج الاقتصادي
هذه المفارقة تسلط الضوء على الهشاشة البنيوية لاقتصاد سبتة، الذي يرتكز بشكل شبه كلي على زوار شبه الجزيرة الإيبيرية.
التغطية الإعلامية الإسبانية المكثفة لحوادث الهجرة تحولت إلى سلاح ذي حدين؛ فبينما كانت تهدف للضغط السياسي، أضرت بصورة المدينة كوجهة سياحية آمنة.
هذا يثبت أن النموذج الاقتصادي الحالي لسبتة غير قادر على امتصاص الصدمات، وأن حادثاً عابراً يكفي لشل حركتها التجارية والسياحية تماماً.
– بين ضجيج السياسة وواقعية التجارة
هذا الواقع يضع الفاعلين في سبتة أمام انقسام داخلي حاد. من جهة، يميل السياسيون، لا سيما من تيارات اليمين، إلى لغة التصعيد والصدام. يركز خطابهم على اتهام حكومة مدريد بالضعف والمطالبة بتعزيزات أمنية، وهو مسار يحول المدينة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية ويزيد من نفور السياح.
على الضفة الأخرى، يقف التجار وأرباب الفنادق أمام واقع مرير مفاده أن الخطابات السياسية لا تسدد الرواتب. يدرك الفاعلون الاقتصاديون أن طوق النجاة يكمن في البراغماتية، عبر المطالبة بمرونة حدودية، وتفعيل الجمارك التجارية، وتسهيل وصول السياح المغاربة لتعويض العزوف الإسباني وتنشيط الحركة التجارية.
-تقف سبتة اليوم أمام اختبار وجودي.
الاستمرار في التعلق الاقتصادي الحصري بالمركز الإسباني أثبت محدوديته أمام أول أزمة، وبات من الواضح أن تأمين مستقبل المدينة يتطلب شجاعة للقبول بواقع الجغرافيا، والبحث عن تكامل اقتصادي ذكي مع محيط مستقر ينمو بخطى ثابتة، بعيداً عن المزايدات الانتخابية.

