مِنْ طَنْجَةَ إِلَى النَّاظُورِ.. ثُنَائِيٌّ مَغْرِبِيٌّ يَحْكُمُ قَبْضَتَهُ عَلَى الْمِلَاحَةِ الْبَحْرِيَّةِ… نِهَايَةُ الْعُزْلَةِ وَبِدَايَةُ الْهَيْمَنَةِ: مِيْنَاءُ النَّاظُورِ يَقْلِبُ مَوَازِينَ الْقُوَى فِي حَوْضِ الْمُتَوَسِّطِ

مِنْ طَنْجَةَ إِلَى النَّاظُورِ.. ثُنَائِيٌّ مَغْرِبِيٌّ يَحْكُمُ قَبْضَتَهُ عَلَى الْمِلَاحَةِ الْبَحْرِيَّةِ… نِهَايَةُ الْعُزْلَةِ وَبِدَايَةُ الْهَيْمَنَةِ: مِيْنَاءُ النَّاظُورِ يَقْلِبُ مَوَازِينَ الْقُوَى فِي حَوْضِ الْمُتَوَسِّطِ

عبدالقادر كتـــرة

لعقود طويلة، ظلت المنطقة الشرقية تعتمد مضطرة على شريان اقتصادي هش قادم من مليلية المحتلة، وتراقب بحسرة الطفرة التنموية في شمال ووسط المملكة.

اليوم، ومع إطلاق صافرة أول سفينة حاويات بميناء الناظور غرب المتوسط، يُطوى هذا الفصل من التاريخ إلى الأبد، لتبدأ قصة سيادة جديدة تقطع مع اقتصاد “التهريب المعيشي” القاسي، وتفتح أبواب الكرامة عبر آلاف فرص الشغل المباشرة لشباب المنطقة، ليتحول الشرق من نقطة عبور حدودية مهمشة إلى قلب نابض للاقتصاد المغربي.

لم يكن رسو هذه السفينة وإعلان العملاق الهولندي “ويك لاينز” إدراج الميناء رسمياً ضمن خدمته الأسبوعية ابتداءً من شتنبر 2026 مجرد اختبار تقني، بل إعلاناً صريحاً عن ميلاد مارد لوجستي جديد.

بفضل ثنائية “طنجة المتوسط” و”الناظور غرب المتوسط”، أحكم المغرب قبضته على حركة المسافنة العالمية بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط.

هذا المشروع الاستراتيجي لا يربط المنطقة بأكبر شرايين الاقتصاد العالمي في روتردام وأنتويرب وهامبورغ فحسب، بل يضمن الأمن الطاقي للمواطن المغربي عبر محطات ضخمة لتخزين المحروقات تخفف من حدة تقلبات الأسعار العالمية، ويوقف نزيف هجرة الكفاءات نحو مدن المحور الأطلسي.

على الضفة الأخرى من الحدود الوهمية، تبدو الصورة قاتمة بالنسبة لمدينة مليلية المحتلة. الحجم الهائل والخدمات المتطورة للميناء الجديد يسحبان البساط كلياً من تحت أقدام اقتصاد المدينة المنهك، لتفقد دورها الوظيفي والتاريخي كنقطة تجارية وتتحول إلى عبء مالي ثقيل على خزانة مدريد.

في المقابل، تجد إسبانيا نفسها أمام واقع براغماتي جديد؛ فبينما تستنزف موانئها الجنوبية حصصها السوقية لصالح الناظور، تضطر خطوطها الملاحية للاعتماد على البنية التحتية المغربية لتأمين سلاسل توريدها نحو إفريقيا وأوروبا، مما يفرض احتراماً متبادلاً تحكمه المصالح الاقتصادية.

جيوسياسياً، يمثل هذا الميناء انتصاراً تنموياً هادئاً يوسع الفجوة اللوجستية مع الجزائر. لقد نجحت الرباط في بناء جدار اقتصادي متين على حدودها الشرقية، محصنة إياها ضد أي توترات إقليمية، وجاعلة المنطقة مندمجة مباشرة في الأسواق العالمية دون أي التفات لاستمرار إغلاق الحدود البرية.

رهان المستقبل الآن يتجاوز مجرد تفريغ الحاويات نحو خلق منظومة اقتصادية متكاملة. تسريع ربط الميناء بشبكة السكك الحديدية انطلاقاً من محطة سلوان، بالتزامن مع إطلاق المناطق الصناعية الحرة المجاورة مثل “بتوية”، سيمثل القيمة المضافة الحقيقية. هنا لن تكتفي المنطقة بعبور السلع، بل ستُحوّل المواد الأولية إلى صناعات متطورة تعبر عبر القطارات نحو العمق المغربي أو تُصدر دولياً، لتكتمل بذلك دائرة الثروة.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *