التاريخ يوثق لصورة مؤسس شركة “شراينر إيرويز”، في جولته بطنجة، بالطربوش الفاسي مع القفطان المغربي الأسود المخملي من طراز “النطع” رمز عالمي للأناقة والفخامة التاريخية

التاريخ يوثق لصورة مؤسس شركة “شراينر إيرويز”، في جولته بطنجة، بالطربوش الفاسي مع القفطان المغربي الأسود المخملي من طراز “النطع” رمز عالمي للأناقة والفخامة التاريخية

عبدالقادر كتـــرة

التقطت هذه الصورة في عام 1964 في مدينة طنجة المغربية بهدسة المصور الوثائقي الهولندي الشهير كاس أورثويس، وهي جزء من الأرشيف الرسمي المحفوظ في المتحف الوطني الهولندي للتصوير (Nederlands Fotomuseum) في روتردام، وهذا هو سبب وجود العلامة المائية للمتحف على أطراف الصورة.

الرجل الظاهر في الصورة هو بالفعل باريند أدريانوس “بوب” شراينر (Barend Adrianus “Bob” Schreiner) ، مؤسس شركة الطيران الهولندية “شراينر إيرويز” (Schreiner Airways).

كان في زيارة رسمية للمغرب رفقة وفد يضم صحفيين هولنديين (من صحف بارزة مثل De Telegraaf) ضمن حملة ترويجية وتوسيعية لأعمال شركته.

ويظهر شراينر وهو يخرج من الفندق التاريخي العريق “جراند أوتيل فيلا دي فرانس” (Grand Hôtel Villa de France) في طنجة، ولا تزال لافتة الفندق ونجمته الشهيرة واضحة خلفه في الخلفية.

ارتداء شخصية اقتصادية غربية بارزة مثل “بوب شراينر” لهذا الزي المغربي التقليدي في ستينيات القرن الماضي ليس مجرد مصادفة، بل هو تعبير عن الانبهار بجمالية وحضارة اللباس المغربي.

القطعة التي يرتديها هي “قفطان النطع” المغربي الأصيل، وهو من أفخر القطع التراثية. يُصنع من ثوب المخمل الملكي (الموبرا) باللون الأسود أو الأخضر الداكن، ويُطرز يدوياً بالكامل باستخدام خيوط الذهب الخالص والمعروفة مغربياً بـ “الصقلي”، ويُزين بأزرار “العقاد” وحواف “السفيفة” المجدولة بدقة متناهية، متناغماً مع “الطربوش الفاسي” الأحمر الذي صُنع هنا بلون أسود ليتماشى مع لون القفطان.

هذا الفن من التطريز واللباس موثق تاريخياً منذ قرون؛ حيث تشير المخطوطات القديمة (مثل كتابات أبي المطهر الأزدي في القرن الحادي عشر الميلادي) إلى أن المنسوجات والتطريزات المغربية الفاخرة كانت تُصنّع وتُصَدّر إلى المشرق العربي لشدة إتقانها وتميزها.

حظي هذا التطريز المغربي باهتمام الباحثين والمتاحف العالمية؛ فقد أفردت له بحوث أمريكية مساحات للدراسة في مجلات أكاديمية مرموقة مثل مجلة Ars Islamica عام 1951، حيث وُصفت هذه القطع الذهبية بـ (Maghribi gold-embroidered).

كما يحتفظ متحف المتروبوليتان للفنون (Met) في نيويورك بقطع من التطريز الذهبي المغربي القديم (مثل طرز الطاووس والمزهرية)، والتي كانت تُستخدم في ثلاثينيات القرن الماضي (عام 1937 تحديداً) لتعليم طلاب الفنون في أمريكا قواعد الهندسة والنسب والتناظر.

لا يقتصر طرز “النطع” الصقلي على القفاطين النسائية أو الجلباب والجبادور، بل يمتد في الثقافة المغربية ليشمل “الشّكارة” (الحقيبة الجلدية الرجالية المطرزة)، والشرابيل الاحتفالية، والستائر الحائطية الضخمة (الهايْتي) التي تزين المجالس، ووسائد الأعراس وحفلات الحناء.

تُعد هذه الصورة شهادة حية على “دبلوماسية التراث المغربي”؛ فمنذ عقود طويلة وحتى اليوم، ظل هذا الصنع التقليدي والحضاري يفرض هيبته وجماله على زوار المملكة من مختلف دول العالم، ليتحول اللباس المغربي من مجرد ثوب محلي إلى رمز عالمي للأناقة والفخامة التاريخية.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *