قانون المحاماة: لماذا إستنفذت المحكمة الدستورية أجل البت كاملا قبل أن تعلن تعذر البت ؟
– الدكتور مصطفى بن شريف، محام بهيئة وجدة،
و أستاذ القانون العام زائر بكلية الحقوق بوجدة.
– الأستاذة سليمة فرجي، محامية بهيئة وجدة،
و برلمانية سابقة.
تقديم:
لقد ثبت من قرار المحكمة الدستورية رقم: 317/2026 بتاريخ: 10 غشت 2026، المتعلق بالقانون رقم: 23.66 المنظم لمهنة المحاماة، أنه تعذر على المحكمة “البت في الإحالة”، لكونها لم ترفق بنص القانون، كما وافق عليه مجلس المستشارين في إطار قراءة ثانية بتاريخ: 07 يوليوز 2026، بل أرفقت بنسخة من تقرير لجنة العدل و التشريع و حقوق الإنسان، بمجلس المستشارين، في إطار القراءة الثانية لمشروع القانون، يتضمن مجموعة من الوثائق من بينها مشروع القانون رقم: 23.66، كما وافق عليه مجلس النواب في إطار قراءة ثانية بتاريخ: 06 يوليوز 2026.
و لما كان رئيس مجلس النواب، قد باشر مسطرة الإحالة، بناء على الفقرة 3 من الفصل 132 من الدستور، و هو حق يسنده له الدستور، إلا أنه تبين للمحكمة الدستورية عدم إرفاق رسالة الإحالة بنص القانون المطلوب النظر في مطابقته للدستور، و تبعا لذلك خلصت إلى التصريح بتعذر البت في الإحالة.
و بناء عليه، نتساءل، إذا كانت الإحالة لم ترفق بنص القانون المطلوب مطابقته للدستور، لماذا استغرقت المحكمة الدستورية كامل الاجل و هو شهر لتبت في الاحالة ؟ و التصريح بتعذر البت.
ألم يكن يتطلب الأمر أجلا لا يتعدى ثمانية أيام، كما في حالات الإستعجال للبت في الإحالة؟ ألم تراسل المحكمة الدستورية رئيس مجلس النواب من أجل تمكينها بنسخة مطابقة للأصل من القانون كما صادق عليه مجلسي البرلمان؟
و هل فعلا قد تكون المحكمة الدستورية راسلت رئيس مجلس النواب، لكنه سكت عدم تمكينها من نص القانون المطلوب مطابقته للدستور، لحسابات سياسية؟ و لماذا استجاب رئيس مجلس النواب في حالة قانون المسطرة المدنية كما يستفاد من قرار المحكمة الدستورية رقم: 255/2025 الصادر بتاريخ: 04 غشت 2025؟
و ترتيبا على ما ذكر من تساؤلات، سنتولى مناقشتها و الجواب عليها من خلال الملاحظات التالية:
أولا: حدود اختصاص المحكمة الدستورية:
تطبيقا للفقرة الأولى من الفصل 132 من الدستور، تمارس المحكمة الدستورية الاختصاصات المسندة إليها بفصول الدستور، و بأحكام القوانين التنظيمية، و تبت بالإضافة إلى ذلك في صحة انتخاب أعضاء البرلمان و عمليات الاستفتاء.
و من بين الاختصاصات المسندة إلى المحكمة الدستورية، النظر في دستورية القوانين،
بناء على إحالة، إما إجبارية (القوانين التنظيمية و الأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان) أو اختيارية، بطلب من الملك، أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين.
و تبعا لذلك، تتولى المحكمة الدستورية، النظر في الاحالة التي تروم مطابقة القانون للدستور، من الناحيتين الشكلية و الموضوعية.
لكن، في حالة القانون رقم: 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة، المحال على المحكمة الدستورية برسالة إحالة من رئيس مجلس النواب مسجلة بأمانتها العامة بتاريخ: 08 يوليوز 2026، ثبت بأنها لم تكن مرفقة بالنص النهائي للقانون كما صادق عليه البرلمان، و أمام عدم توصل المحكمة الدستورية به، صرحت بأنه يتعذر عليها البت فيه على حالته، و منطوق القرار يطرح أكثر من علامة استفهام، كيف يصير للمحكمة الدستورية ان تنتظر مدة 30 يوما، للإعلان عن قرارها بأنه يتعذر عليها البت في القانون، و الحال أن المسطرة الدستورية تلزمها بالبت في مطابقة القانون للدستور وفق منهجية عمل القاضي الدستوري التي تقوم على قواعد إجرائية ملزمة يتعين تطبيقها على الاحالة المتوصل بها، مما كان لزاما على المحكمة الدستورية أن تراسل رئيس مجلس النواب لتمكينها بنسخة من نص القانون النهائي، و الاستمرار في ممارسة اختصاصها الموضوعي عليه، ثم التصريح بمطابقته الدستور أو مخالفته له، و هو الأمر الذي لم يحصل في ظل إحالة ناقصة.
ثانيا: لماذا استغرقت المحكمة الدستورية الأجل كاملا للبت في الإحالة للقول بتعذر البت فيها:
لما كان رئيس مجلس النواب، هو صاحب المبادرة بإحالة القانون رقم: 66.23، على المحكمة الدستورية، كان يتعين مبدئيا أن تكون رسالة الإحالة مرفقة بجميع الوثائق، بما فيها نص القانون النهائي الذي وافق عليه البرلمان.
إلا أنه تبين من الوثائق المتوصل بها من طرف المحكمة الدستورية، أنه لا يوجد من بينها نص القانون النهائي المطلوب مطابقته للدستور، مما تعذر على المحكمة الدستورية البت في الإحالة.
لكن السؤال المركزي في قضية الاحالة، هل أن عدم ارفاق رسالة الاحالة بنص القانون النهائي كما وافق عليه البرلمان، هو إغفال إداري إجرائي أم أنه عمل متعمد ؟
بالنظر إلى كون المحكمة الدستورية قد استغرقت أجل البت كاملا قبل أن تصدر قرارها الذي صرح بتعذر البت في الإحالة موضوعيا (أي مطابقة القانون للدستور)، الم تعمد إلى مراسلة رئيس مجلس النواب، من أجل تمكنيها من نص القانون كما وافق عليه مجلسي البرلمان ؟ أم أنها راسلته، لكنه لم يتجاوب معها ؟ و إذا كانت فعلا قد راسلته، و هي فرضية تبقى قائمة قياسا على حالة قانون المسطرة المدنية الذي صدر بشأنه قرار المحكمة الدستورية رقم: 255/2025، و الذي يتضمن صراحة بأن المحكمة الدستورية بعد أن ثبت لها أن رسالة الإحالة أرفقت بمشروع قانون رقم: 02.23 المتعلق بالمسطرة المدنية “….و تبعا لذلك قامت المحكمة باستحضار الصيغة النهائية للقانون (…)”، و لذلك يرجح بأن المحكمة الدستورية قد تكون طالبت رئيس مجلس النواب بالنسخة النهائية للقانون، لكن لحسابات قد تكون سياسية و بضغط من وزير العدل و حزب الأصالة و المعاصرة، فإنه لم يتجاوب مع طلب المحكمة الدستورية .
لأنه إذا كان الأمر مجرد إغفال أو سهو لعدم إرفاق رسالة الإحالة بالنص النهائي للقانون المطلوب مطابقته للدستور، فليس هناك ما يمنع من تصحيح الإجراءات التي تستدعيها الإحالة، بالعمل على إحالة رئيس مجلس النواب إلى المحكمة الدستورية الصيغة النهائية للقانون، حتى تتمكن هذه الأخيرة من ممارسة رقابتها الدستورية عليه.
ثالثا: وجوب احترام مبدأ التعاون بين المؤسسات الدستورية: حالة المحكمة الدستورية و رئاسة مجلس النواب :
إن مبدأ انتظام المؤسسات الدستورية و ضمان حسن سيرها، ملزم لجميع مؤسسات الدولة، و لذلك يجب أن يحكم العلاقة بين البرلمان و المحكمة الدستورية روح التعاون وفقا لما يبتغيه الدستور و مبادئ دولة القانون .
و هكذا، يلاحظ بأن الدستور أتاح لجميع السلطات إمكانية إحالة القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها إلى المحكمة الدستورية لفحص دستوريتها، بناء على إحالة من أصحاب الصفة تطبيقا للفصل 132 من الدستور .
و نظرا لكون إحالة القانون رقم: 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة على المحكمة الدستورية، كانت بمبادرة من رئيس مجلس النواب، الأمر الذي يفترض في رسالة الاحالة أن تكون مرفقة بجميع الوثائق التي تمكن المحكمة من فحص دستورية القانون المحال عليها، بما فيها الصيغة النهائية لنص القانون موضوع المطالبة بمطابقته للدستور .
و لما كان رئيس مجلس النواب، قد ثبت بأنه مصدر إحالة القانون رقم: 66.23، فإنه ملزم بأن يتعاون مع المحكمة الدستورية، بشكل يعكس روح وظيفة المؤسسة التشريعية، التي يفترض في رئيسها أن يتصرف طبقا للدستور و للنظام الداخلي لمجلس النواب.
و هكذا، فإذا كان رئيس مجلس النواب قد مارس مسطرة الإحالة الإختيارية للقانون، يتعين عليه أن يحرص على أن تكون الاحالة سليمة و مستوفية لجميع شروطها الشكلية و الإجرائية، و أن يبرز حسن النية، بالاستمرار في استكمال شروط الإحالة بالعمل على تصحيحها و تمكين المحكمة الدستورية من الصيغة النهائية للقانون، قبل إصدار الأمر بتنفيذه.
و بناء عليه، فاذا كانت الإحالة قد شابها عيب إجرائي، بعدم ارفاق الإحالة بنص القانون النهائي، لا ندري ما إذا كان الأمر إغفالا عاديا أم أن العمل مقصودا، لكن نفترض في جميع الأحوال مبدأ حسن النية، لأننا أمام رئيس مؤسسة دستورية (مجلس النواب)، يحتل مكانة مرموقة في الهرم الدستوري لمؤسسات الدولة، مما يفترض فيه حسن النية.
و من جهة أخرى، إذا كان إغفال عدم إرفاق الإحالة بنص القانون النهائي، كان بحسن النية، فإن ذلك يقتضي من رئيس مجلس النواب، أن لا يتوقف عن الاستمرار في إستكمال المسطرة الدستورية و إعادة إحالة النص النهائي على المحكمة الدستورية للبت في مطابقته للدستور.
أما إذا لم يعمد إلى ذلك، بالتأكيد أن تصرفه سيكيف بمثابة عمل سياسي تحكمه حسابات غير دستورية، و لذلك لا يستبعد بالتبعية أن تكون المحكمة الدستورية قد راسلته من أجل تمكينها بنسخة من النص النهائي للقانون، لكنه اختار عدم التجاوب معها، و هذه الفرضية تبقى مرجحة في ظل غياب أي توضيح من طرف رئيس مجلس النواب ، لأنه من غير المنطقي أن يبادر إلى ممارسة مسطرة الإحالة، و لا يتحرى ما إذا كانت سليمة و لا يعتريها أي نقص في الوثائق، أو أنه ثبت إعلانه رسميا بأنه على استعداد لتصحيح الإحالة و التعاون مع المحكمة الدستورية لإستكمال وظيفتها الرقابية على القانون.
و لما كان السيد رئيس مجلس النواب، قد ارتكن إلى تفضيل خيار الصمت إلى غاية تاريخه، فإن فرضية تعطيل مسطرة الرقابة الدستورية بخلفية سياسية تبقى واردة.
رابعا: ترجيح فرضية المصلحة السياسية على حساب المؤسسات الدستورية :
أنه و لما كانت المحكمة الدستورية قد توصلت بإحالة ناقصة صادرة عن رئيس مجلس النواب، لخلوها من النص النهائي للقانون المطلوب مطابقته للدستور، و ثبت عدم تصحيح الوضعية رغم إمكانية ذلك، الأمر الذي يؤشر على قيام خلل في المسار المؤسساتي، لا يمكن أن يعتبر مجرد “خطأ مادي أو مسطري”، لأنه يفترض في رئاسة مجلس النواب أن تتأكد بأن الإحالة لم يعتريها أي خلل إجرائي أو شكلي أو مادي، و إذا ما تبين لها ذلك، فإنها ملزمة بتصحيح الوضعية لإستكمال شروط فحص دستورية القانون.
أما إذا كانت المحكمة الدستورية قد طلبت من رئيس مجلس النواب استكمال وثائق الملف، و هو احتمال جد وارد، و لم يتم التجاوب مع طلبها، فإن صح ذلك (و هي فرضية)، يصبح الوضع أكثر جدية و خطورة، لأنه يمس جوهر العلاقة بين المؤسسات الدستورية، و يطرح سؤالا في غاية الأهمية حول مدى احترام مبدأ التعاون بينها و الذي تفرضه مبادئ دولة القانون.
و في جميع الأحوال، فإن عمل كل مؤسسة دستورية، لا ينبغي أن يقوم على غاية يحكمها منطق الحسابات السياسية، و إنما الهدف من ذلك هو ضمان تحصين المؤسسات الدستورية من أي انحراف يخالف المصلحة العامة، أو المبادئ و القواعد الدستورية.
و من المعلوم أن القانون، موضوع الإحالة، لا يمكن أن يصير نافذا أو قابلا للتطبيق في ظل عدم استكمال الشروط المؤدية إلى ممارسة الرقابة الدستورية عليه، مادام قد تعذر إجراؤها لسبب إجرائي، و لذلك لا ينبغي أن تتحول الإجراءات إلى وسيلة قد تكون متعمدة أو غير مقصودة، للحيلولة دون ممارسة المحكمة الدستورية لإختصاصها.
إن الرقابة الدستورية على القانون رقم: 66.23 ليست امتيازا للمحامين، و لا منحة للبرلمان، و لا مواجهة بين المحكمة الدستورية و السلطة التشريعية، بل أنها ضمانة دستورية للمواطن و للمؤسسات و للقانون نفسه، الذي يجب أن يصدر و هو مطابق للدستور، عملا بمبدأ الأمن القانوني.
و بناء عليه، فالمطلوب اليوم، ليس توزيع أو تبادل الإتهامات، و زرع الشكوك حول عمل المؤسسات الدستورية، (البرلمان و المحكمة الدستورية)، و إنما يجب كشف المسار المؤسساتي للإحالة الصادرة عن رئيس مجلس النواب بكل شفافية و نزاهة، و هل تمت مراسلة الجهة المحيلة لإستكمال الوثائق ؟ و إذا كانت المطالبة قد تمت، فما هو مآلها ؟ هل امتنع رئيس مجلس النواب عن الجواب عليها و التفاعل معها أم أن المراسلة لم تحصل أصلا ؟
و عندما يتحقق الجواب على الأسئلة المذكورة، يتم تحديد المسؤوليات التي يجب أن تقوم على أساس وقائع مادية، و ليس على التخمين و الفرضيات، و منطقيا، الجهة المؤسساتية المعنية بالجواب عن هذه الأسئلة هو رئيس مجلس النواب، لكونه صاحب الإحالة للقانون على المحكمة الدستورية، و لذلك لا يمكن أن تبقى الأسئلة معلقة، و أن يؤدي نقص وثيقة حاسمة إلى إغلاق باب الرقابة الدستورية و تعطيلها، دون معرفة ملابسات عدم إرفاق رسالة الإحالة بالنص النهائي للقانون المطلوب مطابقته للدستور، و لماذا لم يتم إستدراك النقص أو الإغفال، الأمر الذي يتطلب بكل تأكيد وقفة دستورية و مؤسساتية جادة، بعيدا عن الحسابات السياسية التي قد تكون هي الدافع وراء “عدم” قيام مؤسسة دستورية باختصاصاتها.
علما أن الأخطر في القضية، هو أن يتعذر على مؤسسة دستورية مكلفة بحماية الدستور من ممارسة اختصاصها بسبب خلل قابل بأن يصحح و يتم تداركه، إلا أن الحسابات السياسية بين فرقاء في الحكومة قد تكون هي من تقف وراء هذا “البلوكاج”، الدستوري.
و ترتيبا على ما ذكر، نتساءل، من أخطأ؟ و هل قامت كل مؤسسة بواجباتها كما يكفي و بما يتطلبه الدستور لتمكين المؤسسة الاخرى من ممارسة اختصاصها الدستوري؟
لذلك، إن رئيس مجلس النواب، يتعين عليه أن يحتكم إلى روح الدستور، و استحضار المصلحة العامة، و أن يقدم على إصلاح و تصحيح الإحالة من جديد و إحالتها على المحكمة الدستورية، علما أن “إحالة قانون” على هذه الأخيرة هي من النظام العام تلزم رئيس مجلس النواب باستكمال مسارها الدستوري و تمكين المحكمة من الوثائق الكفيلة بأن تمارس اختصاصها الرقابي على قانون مهنة المحاماة، و إذا لم يقدم على ذلك، فإنه مطالب بالخروج عن صمته و تنوير الرأي العام بالحقيقة لأنه يرأس مؤسسة دستورية مشرعة تمارس السلطة التشريعية.
خامسا: لا يعذر أحد بجهله للقانون، و خاصة من طرف المؤسسات الدستورية:
يلاحظ من خلال ملف الإحالة، أن ما يستوقف الباحث في القانون الدستوري، ليس فقط عدم إرفاق النص القانوني موضوع الإحالة الاختيارية، و إنما أيضا توقيت صدور قرار المحكمة الدستورية الذي استغرق أجل البت كاملا.
علما أن المحكمة الدستورية، و على خلاف ما جرى عليه عملها في العديد من الملفات، فإنها تصدر قراراتها داخل آجال لا تتجاوز عشرين (20) يوما أو خمسة عشر (15) يوما، في حين أنها في حالة قانون مهنة المحاماة استنفذت القضية الأجل القانوني كاملا، قبل أن تصرح بتعذر البت فيها بسبب عدم توفرها على نص القانوني النهائي موضوع الإحالة.
هذا المعطى، يفتح الباب لسؤال مشروع، هل استنفاذ المحكمة لأجل البت كاملا كانت تنتظر فيه استكمال وثائق ملف الإحالة من أجل أن تتمكن من ممارسة اختصاصها ؟ لأن طول المدة التي استغرقتها في دراسة و معالجة الملف يجعل التساؤل مشروعا.
و من جهة أخرى، لما كانت جهة الإحالة (رئيس مجلس النواب) هي من بادرت إلى تفعيلها، باعتبارها مؤسسة دستورية مشرعة، فإنه يفترض فيها أن تدرك بأن الإحالة لا تستقيم إلا باستيفاء عناصرها، و أن تكون مرفقة بالوثائق الجوهرية كاملة، و أن عدم ارفاق نص القانون النهائي موضوع الإحالة، لا يمكن اعتباره مجرد خطأ شكلي أو إجرائي عابر، بل أن ذلك يحول دون إمكانية ممارسة المحكمة لاختصاصها.
و في هذا الإطار، يجب استحضار القاعدة القانونية الراسخة و هي “لا يعذر أحد بجهله للقانون” و خاصة لما يتعلق الأمر بمؤسسة دستورية تمارس السلطة التشريعية، فإنه يفترض فيها أن تكون أكثر الجهات وعيا و إدراكا و إلماما بقواعد المسطرة الدستورية .
و بناء عليه، فإن المسؤولية لا تتحملها المحكمة الدستورية التي وجدت نفسها أمام ملف ناقص من وثيقة حاسمة، و طبقت القانون، و إنما ينبغي أن تطرح على مستوى الجهة التي أحالت النص، و على مستوى احترام شروط الإحالة، و استكمال وثائقها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بنص يهم مهنة المحاماة و مرفق العدالة و سيادة القانون .
إن احترام المؤسسات الدستورية لا يعني فقط الإمتثال لقراراتها، و إنما يبدأ قبل ذلك باحترام المساطر التي تمكنها من ممارسة اختصاصاتها على الوجه السليم و الصحيح طبقا لما تقتضيه القواعد و المبادئ الدستورية.
و ترتيبا على كل ما ذكر، فإن رئيس مجلس النواب مطالب بإعادة إحالة القانون رقم: 23-66 المتعلق بمهنة المحاماة على المحكمة الدستورية لتنظر في مطابقته للدستور أو مخالفته له.

