هَلَاكُ الرَّئِيسِ الْجَزَائِرِيِّ هُوَارِي بومدْيَن وَلُغْزُ كَلْبِهِ “عَنْتَر” وَأُصُولُ زَوْجَتِهِ: التَّارِيخُ الْمُوَازِي بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، الشَّائِعَةِ، وَنَظَرِيَّاتِ الْمُؤَامَرَةِ فِي النِّهَايَاتِ الْغَامِضَةِ لِلزُّعَمَاءِ
عبدالقادر كتـــرة
في عصر الفضاء الرقمي المفتوح، لم يعد التاريخ حكراً على الأكاديميين والكتب المدرسية؛ بل تحول إلى ساحة نقاش يومية على منصات التواصل الاجتماعي.
ومن حين لآخر، تطفو إلى السطح صور ومنشورات تنبش في الذاكرة السياسية، لتخلط ببراعة بين الحقائق التاريخية، وأنصاف الحقائق، ونظريات المؤامرة.
ولعل شخصية الرئيس الجزائري الراحل “هواري بومدين” والنهاية الغامضة لحياته، تُعد من أكثر الملفات التي تُغذي هذا “التاريخ الموازي” الافتراضي، حيث تتصدر قصص مثل “اغتيال كلبه المدلل” والتشكيك في “أصول زوجته” واجهة النقاشات، فما الذي يختبئ وراء هذه السرديات؟
أسطورة الكلب “عنتر” وثقب الإبرة في الرواية الرسمية من أكثر القصص إثارة التي يتم تداولها بكثافة، هي قصة الكلب “عنتر”، الكلب المدلل للرئيس بومدين.
تقول الرواية الشائعة إن الكلب مات بنفس الأعراض الغامضة التي أودت بحياة الرئيس لاحقاً، وتذهب المنشورات إلى حد اتهام شخصيات أمنية وعسكرية بارزة في ذلك الوقت، مثل قاصدي مرباح، بالتكتم على تشريح جثة الكلب.
تاريخياً، امتلاك بومدين لكلب يرافقه هو حقيقة موثقة بالصور، لكن ربط موت الكلب بمرض الرئيس يُعد حجر الزاوية في نظرية “الاغتيال بالسم” التي يؤمن بها قطاع واسع من الجماهير.
فرغم أن الرواية الطبية الرسمية تؤكد وفاة بومدين بمرض نادر في الدم (مرض فالدنستروم)، إلا أن التكتم الشديد الذي أحاط بفترة مرضه في أواخر السبعينيات، ترك “ثقباً” كبيراً تسربت منه الشائعات.
الجماهير غالباً ما ترفض فكرة أن زعيماً كاريزمياً وقوياً يمكن أن يهزمه مرض طبيعي مفاجئ، وتجد في نظرية “المؤامرة الدولية والاغتيال” تفسيراً أكثر دراماتيكية يليق بحجم الشخصية.
سلاح “الأصول” في تصفية الحسابات السياسية لا تتوقف المنشورات عند لحظة الوفاة، بل تمتد لتطال الدائرة الضيقة للرئيس، وتحديداً زوجته السيدة أنيسة بومدين. الترويج لادعاءات حول “أصولها السويسرية اليهودية” هو نموذج كلاسيكي لاستخدام “الأصول” كسلاح سياسي.
في الثقافة السياسية المغاربية والعربية، يُعد التشكيك في الجذور (وخاصة إلصاق تهمة الأصول اليهودية أو الأجنبية غير الصديقة) أداة قديمة ومجربة لتشويه صورة الخصوم أو زعزعة الصورة القومية الصارمة التي بناها الزعيم لنفسه.
السيدة أنيسة (منصالي) هي ابنة لأب جزائري، ورغم أن والدتها من أصول أوروبية، إلا أن تحوير هذه الحقيقة وتضخيمها يهدف بالأساس إلى ضرب الرمزية الوطنية لبومدين بأثر رجعي، ومحاولة كسر هالته عبر التشكيك في خياراته الشخصية.
لماذا نصدق هذه الروايات؟ انتشار هذه الوثائق والقصص على منصات مثل “فيسبوك” وتلقيها بآلاف الإعجابات والمشاركات لا يحدث من فراغ. هناك عدة عوامل تفسر هذا الرواج:
– الفراغ المعلوماتي: غياب الأرشيف المفتوح والشفافية حول فترات حساسة من التاريخ يجعل الساحة خالية أمام أي رواية مثيرة.
– صراع الأجنحة المؤجل: التاريخ في منطقتنا غالباً ما يُستخدم لتصفية حسابات سياسية معاصرة. استحضار أسماء معينة أو ضرب رموز محددة قد يكون صدى لتجاذبات حالية.
– طبيعة السوشيال ميديا: الخوارزميات تكافئ “الإثارة” وليس “الدقة”. صورة قديمة، مضافاً إليها نص بوليسي عن التسمم والمخابرات والأصول الخفية، هي وصفة سحرية للانتشار السريع .
ختاما، بين الإثارة والوعي التاريخي إن التعاطي مع هذه المنشورات الافتراضية يتطلب حذراً ووعياً نقدياً عالياً. لا يمكن إنكار أن التاريخ مليء بالدسائس والمؤامرات الحقيقية، ولكن تحويل كل حدث إلى مؤامرة، والانشغال بقصص مثل “كلب الرئيس” أو “أصول زوجته”، يصرف انتباه الأجيال الجديدة عن التقييم الحقيقي والجائر لفترات الحكم. نحن بحاجة إلى قراءة نقدية لسياسات الزعماء، لإنجازاتهم وإخفاقاتهم، لقراراتهم الاقتصادية والسياسية، بدلاً من الغرق في دراما افتراضية تستهلك وقتنا وتشوه ذاكرتنا الجماعية، دون أن تقدم لنا إجابات حقيقية تفيدنا في بناء مستقبلنا.

