رَهِينَةٌ فِي السَّاحِلِ أَمْ وَرَقَةٌ سِيَاسِيَّةٌ… مَا وَرَاءَ كَوَالِيسِ “الْعَمَلِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ” فِي النَّيْجَرِ: “حُمَّى الذَّهَبِ” وَلُعْبَةُ النُّفُوذِ.. كَيْفَ وَظَّفَتِ الْجَزَائِرُ أَزْمَةَ اخْتِطَافٍ لِتَرْمِيمِ دَوْرِهَا الْإِقْلِيمِيِّ؟

رَهِينَةٌ فِي السَّاحِلِ أَمْ وَرَقَةٌ سِيَاسِيَّةٌ… مَا وَرَاءَ كَوَالِيسِ “الْعَمَلِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ” فِي النَّيْجَرِ: “حُمَّى الذَّهَبِ” وَلُعْبَةُ النُّفُوذِ.. كَيْفَ وَظَّفَتِ الْجَزَائِرُ أَزْمَةَ اخْتِطَافٍ لِتَرْمِيمِ دَوْرِهَا الْإِقْلِيمِيِّ؟

عبدالقادر كتـــرة

في عالم الاستخبارات والجيوسياسة، نادراً ما تكون البيانات الرسمية انعكاساً كاملاً للحقيقة؛ بل هي غالباً واجهة لتمرير رسائل سياسية، أو أداة لتثبيت نفوذ يتآكل.

هكذا يمكن قراءة الإعلان الأخير لوزارة الدفاع الجزائرية عن نجاحها في تحرير رهينة ألماني اختُطف في النيجر، في عملية أثارت من التساؤلات أكثر مما قدمت من إجابات.

في ظاهرها، تبدو القصة وكأنها انتصار أمني ساحق: تاجر ذهب ألماني (أولوماسكان سينان) يقع في فخ عصابة مسلحة في منطقة “طاوة” بالنيجر، لتتدخل المخابرات الجزائرية وتنجح في تحريره ونقله بطائرة عسكرية خاصة إلى العاصمة الجزائرية في ظرف أسبوعين فقط، تمهيداً لتسليمه لبلاده. لكن، وبقراءة متأنية لما بين السطور، تبرز ثغرات أمنية ومنطقية تجعل من هذه الرواية مادة دسمة للتشكيك، وتدفعنا للتساؤل: هل نحن أمام عملية تحرير بطولية، أم مجرد “هندسة للأزمات” في منطقة الساحل؟

ثغرات في الرواية الرسمية

عند عرض تفاصيل العملية على مجهر التحليل الأمني، تبرز عدة مفارقات لا تتوافق مع تعقيدات المشهد في الصحراء الكبرى:

– السرعة القياسية غير المعهودة: من المعروف أن الجماعات المسلحة في الساحل تستغرق أشهراً، بل سنوات، في مفاوضات مضنية لرفع سقف المطالب السياسية والمالية (كما هو الحال مع الرهينتين السويسرية والنمساوية المحتجزتين منذ 2025). حل أزمة اختطاف في أقل من 14 يوماً يطرح علامات استفهام كبرى؛ فإما أن الخاطفين ليسوا سوى عصابة مبتدئة تم تضخيم حجمها، أو أن العملية برمتها كانت معلومة النتائج سلفاً.

– لغز الفدية والمقاومة: الجماعات التي تتخذ من الاختطاف اقتصاداً لها لا تسلم غنائمها مجاناً. الإعلان عن استلام الرهينة دون إطلاق رصاصة واحدة، ودون دفع فدية (كما توحي الرواية الرسمية)، يؤكد أن ما حدث لم يكن “تحريراً عسكرياً”، بل “تسوية”. وفي عالم الساحل، التسويات لا تُعقد إلا مع أطراف تدين بالولاء أو تخضع لابتزاز مباشر من جهة أقوى.

– مسار الرهينة والتناقض الجغرافي: كيف يمكن لمواطن أجنبي قادم من أوروبا، أن يعبر مطار الجزائر العاصمة، ثم يتجه نحو بؤرة توتر في النيجر لإتمام صفقة ذهب مشبوهة، دون أن تُلتقط حركته من قبل الرادارات الأمنية؟ هذا “العمى الاستخباراتي” المفترض في البداية يتناقض تماماً مع “العبقرية الاستخباراتية” التي ظهرت فجأة في النهاية لتحريره.

– مصطلح “المجموعة الإجرامية”: تعمدت البيانات تجنب وصف الخاطفين بـ”الإرهابيين”، رغم أن الساحل يعج بتنظيمات متطرفة. هذا التوصيف المخفف يبدو مقصوداً لتجريد الخاطفين من أي وزن أيديولوجي، وتجنب الحرج الدولي في حال تم تقديم تنازلات أو أموال لمن اختطفوه.

دبلوماسية الأزمات: هندسة أم استغلال؟

أمام هذه التناقضات، يميل المراقبون إلى تفسير الحدث عبر أحد مسارين: الأول يرى في العملية “مسرحية أمنية” تم غض الطرف فيها عن استدراج الضحية، لتتدخل الأجهزة لاحقاً كـ”منقذ”. أما المسار الثاني والأكثر واقعية، فهو “الاستغلال الانتهازي”؛ حيث سقط التاجر ضحية لجشعه وعصابات الذهب المنتشرة في النيجر، فالتقطت الجزائر الفرصة وحركت أذرعها العشائرية لحل الأزمة بسرعة، محولةً حادثة تهريب عادية إلى استعراض جيوسياسي كبير.

ثمن الصمت والرسائل الإقليمية

ما يعزز فرضية “الصفقات الجيوسياسية” هو التزامن المريب بين تحرير الرهينة وتسليم الجزائر هبة عسكرية للنيجر، شملت مروحيات وأسلحة. هذا التزامن ليس صدفة؛ بل هو أقرب إلى ثمنٍ دُفع للمجلس العسكري النيجري لشراء صمته وتمرير العملية في أراضيه، خاصة بعد التوترات الدبلوماسية الأخيرة بين البلدين.

صمت العواصم المعنية (برلين ونيامي) واكتفائها بعبارات الشكر البروتوكولية يفسر الكثير. ألمانيا، كغيرها من الدول الأوروبية، تتبنى براغماتية بحتة: عودة مواطنيها أحياء هي الأولوية، ولا يهمها إن كان الثمن تلميع صورة نظام إقليمي. أما النيجر، فقد وجدت نفسها مهمشة في أراضيها، قابلة بالهبة العسكرية كترضية.

الخلاصة: الساحل كرقعة شطرنج

لم تكن عملية تحرير “أولوماسكان سينان” مجرد حدث أمني عابر، بل كانت محاولة واضحة من الجزائر لاستبدال دورها الدبلوماسي المتراجع في الساحل (بعد انهيار اتفاقيات مالي وتوتر الحدود) بـ “دبلوماسية الاستخبارات والكوماندوز”.

الرسالة التي أرادت الجزائر توجيهها لأوروبا واضحة: “بعد خروج فرنسا وأمريكا، نحن الشرطي الموثوق الوحيد في الساحل”. ولكن، في ظل تزايد وتيرة استخدام “ورقة الرهائن” كأداة لتثبيت النفوذ، يبقى السؤال المطروح: إلى متى ستستمر أوروبا في الخضوع لابتزاز قوى إقليمية تلعب دور “الإطفائي” لنيرانٍ قد تكون هي من يغض الطرف عن إشعالها؟

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *