عَلَى خَطِّ النَّارِ: تَحَوَّلَتِ الحُدُودُ المُورِيتَانِيَّةُ المَالِيَّةُ إِلَى سَاحَةِ عَمَلِيَّاتٍ عَسْكَرِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ… اِسْتْرَاتِيجِيَّةُ نَوَاكْشُوطَ العَسْكَرِيَّةُ فِي مُوَاجَهَةِ التَّهْرِيبِ وَفَوْضَى السَّاحِلِ وَتَوَغُّلَاتِ “فَاغْنِرْ”
عبدالقادر كتـــرة
لم تعد تلك الامتدادات الصحراوية الشاسعة بين موريتانيا ومالي مجرد ممرات تقليدية لقوافل التجارة والرعي، بل تحولت تدريجياً إلى خطوط تماس عسكرية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها طموحات الجماعات المسلحة مع توغلات الجيوش النظامية وحلفائها.
وما التطورات الأخيرة في مدينة باسكنو الموريتانية إلا جرس إنذار يعكس حجم التحدي الأمني الذي بات يطرق أبواب الشرق الموريتاني بقوة.
سقوط الأقنعة وتجارة الموت حين تعترض السلطات الأمنية الموريتانية سيارات محملة بالأسلحة والذخائر، وتوقف 17 شخصاً بينهم سيدي محمد ولد بوعمامة، المتحدث السابق باسم جماعة “أنصار الدين”، فإننا نقف أمام تحول جوهري في بنية الصراع. هذا التوقيف الاستباقي يكشف بوضوح كيف تلاشت الخطوط الفاصلة بين “العمل الأيديولوجي” للجماعات المسلحة وشبكات التهريب العابرة للحدود، وكيف تحاول هذه الأطراف اتخاذ الأراضي الموريتانية كخلفية لوجستية لتعويض خسائرها الميدانية.
ديناميكية التمدد العسكري وخطر التوغلات لفهم ما يجري على الحدود، يجب النظر إلى الخارطة العسكرية داخل مالي. يعتمد الجيش المالي، مسنوداً بمقاتلي “فيلق إفريقيا” الروسي (فاغنر سابقاً)، استراتيجية هجومية تعتمد على “الأرض المحروقة” والمطاردة الساخنة في مناطق الشمال والوسط. هذه الاستراتيجية أدت إلى نتيجتين مباشرتين على الشريط الحدودي:
– انتقال المعارك غرباً: للهروب من الضغط العسكري، قامت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” بفتح جبهات قتال جديدة في مناطق كانت آمنة نسبياً وتلامس الحدود الموريتانية (مثل كايس ونيورو الساحل)، مما نقل مسرح العمليات العسكرية إلى مرمى حجر من الأراضي الموريتانية.
– الاحتكاك الحدودي: أدت عمليات التعقب التي تنفذها القوات المالية والروسية إلى حوادث توغل متكررة داخل القرى الموريتانية المتداخلة جغرافياً، وتحديداً في مقاطعة كوبني بولاية الحوض الغربي.
هذه التوغلات أسفرت عن ترويع المدنيين، ورفعت من احتمالات حدوث “أخطاء تكتيكية” قد تجر المنطقة إلى مواجهات غير محسوبة.
الاستراتيجية الموريتانية: درع الردع وتأمين الحوزة
أمام هذا الزحف العسكري المزدوج، تخلت نواكشوط عن سياسة المراقبة عن بعد، وانتقلت إلى عسكرة نشطة للحدود لمنع تحول أراضيها إلى منطقة رخوة. ترتكز هذه المقاربة على عدة محاور ميدانية:
– نشر ألوية ووحدات نوعية: عزز الجيش الموريتاني تواجده الميداني بشكل مكثف في ولايات الحوض الشرقي والحوض الغربي، معتمداً على وحدات قتالية قادرة على الرد السريع والتعامل مع حروب العصابات والتوغلات الخاطفة.
– إغلاق مناطق الرعي المفتوحة: أصدرت السلطات أوامر صارمة تمنع المنمين ( مُرَبِّي الماشية أو الرعاة) الموريتانيين من العبور نحو الأراضي المالية. هذا الإجراء العسكري والأمني يهدف إلى تفريغ المنطقة الحدودية من المدنيين، مما يسهل على الرادارات والدوريات العسكرية رصد أي تحرك مسلح، سواء كان لمهربين أو لقوات نظامية.
– الضربات الاستباقية: عملية “باسكنو” ومصادرة الأسلحة تؤكد تفعيل العمل الاستخباراتي المتقدم لتفكيك خلايا الإمداد قبل أن تشكل تهديداً مباشراً.
توازن الرعب في غياب التنسيق
ما يزيد من خطورة التحركات العسكرية على الحدود هو القطيعة الدبلوماسية والأمنية بين باماكو ونواكشوط. ففي ظل رفض مالي تفعيل اللجان الأمنية المشتركة وتسيير دوريات متزامنة، تصبح كل حركة عسكرية على الحدود محل توجس.
غياب خطوط الاتصال المباشرة بين القيادات الميدانية يعني أن أي اقتراب لقوات فاغنر من الأراضي الموريتانية سيُقابل باستنفار فوري، مما يجعل الشريط الحدودي يعيش حالة من “توازن الرعب” المستمر.
إن موريتانيا اليوم لا تواجه مجرد عصابات تهريب تقليدية، بل تدير أزمة عسكرية مركبة تتطلب موازنة دقيقة للغاية.
فالهدف هو إظهار حزم عسكري رادع يحمي السيادة ويمنع انتقال عدوى السلاح، دون الانجرار إلى صدام عسكري مباشر في مستنقع مالي المشتعل، بالتزامن مع إدارة أزمة إنسانية متفاقمة لأكثر من 300 ألف لاجئ على أراضيها.

