القفطان المغربي: سيرة مجد وتاريخ حضارة عابرة للزمن وتجسيد حي لسيادة ثقافية وعبقرية حضارية مغربية مستمرة في العطاء والتجدد
عبدالقادر كتـــرة
القفطان المغربي ليس مجرد قطعة قماش تُطوى حول الجسد، بل هو وثيقة تاريخية حية، وبصمة سيادية تعكس عبقرية الهوية المغربية وتمازج روافدها الأندلسية، الأمازيغية، والعربية الإفريقية.
إنه سفير فوق العادة للثقافة المغربية، استطاع عبر القرون أن يتحول من لباس ملكي نخبوي إلى أيقونة عالمية تفرض هيبتها في المحافل الدولية وعلى أرقى منصات الموضة.
بكل وضوح هذا الامتداد التاريخي، حيث يقف الماضي العريق بلباسه الوقور جنباً إلى جنب مع الحاضر المتألق، ليؤكد أن القفطان ظل دائماً رمزاً للشموخ والأناقة عبر الأجيال.
1. العصر المريني والسعدي: التأسيس والعمق الأرستقراطي
رغم أن جذور القفطان كفكرة تعود إلى أزمنة قديمة في الشرق، إلا أنه في المغرب أخذ مساراً بنيوياً وحضارياً مختلفاً تماماً بدءاً من العصر المريني (القرن الثالث عشر إلى الخامس عشر ميلادي).
تحول القفطان في حواضر المغرب (كفاس ومراكش) من لباس بسيط إلى لباس سلطاني ونخبوي يعكس مكانة صاحبه.
وفي عهد السعديين، بلغت الفخامة ذروتها بفضل الانفتاح الثقافي والازدهار الاقتصادي؛ فدخلت خيوط الذهب والحرير (الصقلي) والأثواب الرفيعة مثل “البروكار” و”المخمل” (القطيفة) ليصبح القفطان رمزاً لثراء الدولة وعظمة بلاطها.
2. العصر العلوي: قوننة الأصالة وتنوع الحواضر
مع استقرار الدولة العلوية، شهد القفطان المغربي تقنيناً وتطويراً مذهلاً في التصاميم بفضل مهارة “المعلمين” المغاربة وتأسيس “دار الطراز”:
وتميزت كل مدينة ببصمتها؛ فظهر القفطان الفاسي (بثقله وتطريز النطع الفاخر)، والقفطان الرباطي (بقصّاته الانسيابية وتطريزه الناعم)، والقفطان الشمالي (التطواني والشارف).
كما برزت لمسات فريدة مثل “السفيفة” ، “العقاد” المصنوعة يدوياً بحرفية متناهية، و”المضمة” (الحزام الرفيع) التي تحدد معالم الجسد بوقار وأناقة.
3- العبور نحو العالمية: من رياضات مراكش إلى منصات باريس
لم يكن انتقال القفطان المغربي إلى العالمية وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مرونته العالية وقدرته على الحفاظ على روحه التراثية مع استيعاب خطوط الموضة الحديثة.
كان للمصممين المغاربة الرواد، إلى جانب دور الأزياء العالمية، دور حاسم في هذه النقلة. فالإمبراطور الفرنسي “إيف سان لوران” (Yves Saint Laurent) ، الذي وقع في غرام مراكش، استلهم في العديد من مجموعاته روح القفطان المغربي وألوانه، مما فتح أعين النخبة الغربية على سحر هذا الزي.
تجاوز القفطان المغربي حدود الفن ليصبح لباساً دبلوماسياً تختاره كبار الشخصيات السياسية والنسائية في العالم كتعيين على الاحترام، التقدير، والقوة الناعمة:
– هيلاري كلينتون (Hillary Clinton): ظهرت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة والسيدة الأولى السابقة بالقفطان المغربي في عدة مناسبات رسمية وزيارات للمملكة، مبرزةً أناقة رئاسية تجمع بين الدبلوماسية وتقدير الثقافات العريقة.
– رئيسات المؤسسات الدولية: حظي القفطان بإعجاب العديد من النساء القياديات في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (مثل كريستين لاغارد في بعض اللقاءات والمناسبات التكريمية بالمغرب)، حيث يُنظر إليه كزي يحمل وقاراً “سيادياً” يناسب المحافل الكبرى.
– الأميرات والملكات: مثل الملكة صوفيا ملكة إسبانيا، والعديد من أميرات أوروبا اللواتي ارتَدين القفطان المغربي في العشاءات الملكية والمناسبات الرسمية، اعترافاً برقيّه الذي يناسب البروتوكولات الملكية.
– نجمات العالم يتألقن بالسحر المغربي
على السجاد الأحمر وفي المهرجانات الدولية (مثل مهرجان كان ومهرجان مراكش الدولي للفيلم)، خطف القفطان المغربي الأنظار من كبرى دور الأزياء العالمية بريشة مصممين مغاربة بارعين:
– أيقونات الزمن الجميل: كانت النجمة العالمية إليزابيث تايلور (Elizabeth Taylor) من أوائل النجمات اللواتي عشقن القفطان المغربي وظهرت به في جلسات تصوير شهيرة، مما أعطاه هالة من الفخامة الهوليودية.
– نجمات الغناء والموسيقى: تألقت به النجمة العالمية بيونسيه (Beyoncé) ، والفنانة ماريا كاري (Mariah Carey) ، والنجمة أليشا كيز (Alicia Keys) في مناسبات وحفلات خاصة، حيث وجدن فيه تصميماً يمنح حُرية الحركة مع فيض من الأنوثة الراقية.
– النجمات والممثلات: من أبرز من ارتدينه النجمة أنجلينا جولي (Angelina Jolie) ، وسوزان ساراندون (Susan Sarandon) ، اللواتي عبّرن في أكثر من مناسبة عن إعجابهن بالحرفية اليدوية الاستثنائية التي يتطلبها صنع قفطان مغربي واحد.
خلاصة القول، إن القفطان المغربي اليوم، المحمي بقوة القانون الدولي والتسجيلات الرسمية كإرث ثقافي غير مادي، يؤكد من خلال تاريخه الطويل الممتد من الماضي وصولاً إلى عواصم الموضة العالمية، أنه ليس مجرد صيحة عابرة، بل هو تجسيد حي لسيادة ثقافية وعبقرية حضارية مغربية مستمرة في العطاء والتجدد.

