حمقى في ثياب المدافعين عن حقوق الاسوياء..يا للعبث..
تأملوا معي هذا المشهد العجيب: رجل يقف في قاعة المحكمة، مرتدياً ثوب العدالة اي الدفاع، يتحدث بثقلٍ كمن يقلب حلوى في فمه، يحاول إقناع القاضي بأن موكله بريء بينما هو نفسه لا يعرف إن كان اليوم جمعة أم خميس. نعم، إنه الأحمق الذي مارس مهنة الدفاع، -اللهم لا تشفي -ذلك الكائن الغريب الذي يجمع بين نقص العقل ووفرة الجرأة، كمن يقرر أن يقود سفينة فضائية وهو لا يعرف كيف يربط حذاءه. إنها المهنة التي تتطلب من صاحبها أن يكون فيلسوفاً وقائداً ومحارباً في آن واحد، لكن هذا المسكين يدخلها وكأنها مباراة كرة قدم، يركض خلف الكلمات دون أن يعرف أين الكرة وأين المرمى.
الأحمق في المحكمة كالطاووس في حظيرة الدجاج، يرفرف بجناحيه المزيفين ظناً منه أنه يطير، بينما هو في الحقيقة يسقط في وحل الحجج الواهية. يخلط الأوراق كما يخلط الطباخ المقادير في قدر حارق، فيخرج لنا طبقاً من التهم المتناقضة والبراهين المتنافرة، كمن يحاول أن يثبت أن النار باردة والثلج حار. تجده يصرخ بأعلى صوته مدعياً أن موكله كان في القمر وقت الجريمة، ثم يعود ليقول إنه كان في السوق، متناسياً أنه تناقض مع نفسه في دقيقة واحدة، وكأن عقله يعمل ببطارية قديمة لا تكفي لإضاءة فكرة واحدة.
أما أسخف ما في الأمر، فهو ذلك الشعور بالثقة الزائدة التي يتحلى بها هذا الأحمق، وكأنه يملك من الحكمة ما يكفي لملء المحيطات، بينما هو في الحقيقة لا يملك ما يملأ فنجان قهوة. يتحدث بثقل المواعظ وكأنه شيخ الحكماء، لكن كلماته تتساقط كأوراق الخريف، بلا نظام ولا معنى. يستخدم مصطلحات قانونية لا يفهمها، وكأنه يقرأ تعويذة سحرية، آملاً أن تتحول إلى حقيقة بمجرد نطقها. وهذا يذكرني بذلك الحديث النبوي الشريف الذي رسم حداً فاصلاً بين العقل والحمق: “رفع عنه القلم”، وكأن السماء نفسها أعلنت إفلاس عقله، وقررت أن تتركه وشأنه في متاهاته اللفظية.
والسؤال المحير هنا: كيف وصل هذا الأحمق إلى هذه المنصة؟ هل ضل الطريق إلى ماريستان الحمق فوجد نفسه في المحكمة؟ أم أن هناك خللاً في نظام الفرز الكوني الذي يفصل بين العقلاء والحمقى؟ تخيلوا معي لو أن هذا الأحمق وجد مكانه الطبيعي بين أقرانه في مستشفى المجانين، لكان قضى وقته في عد النوافذ أو محاولة إقناع الجدران بأنه محامٍ نابغة لا يشق له غبار. لكنه بدلاً من ذلك، يقف الآن ليدمر حياة إنسان بحماقته، كمن يلعب بالديناميت في محطة الوقود.
نعم، أقولها بكل صراحة وسخرية: مكان الأحمق الحقيقي ليس بين دفاتر القانون ولا تحت قبعة المحاماة، بل بين أسرة ماريستان حيث يمكنه أن يمارس حمقه بحرية، دون أن يدمر مستقبل إنسان أو يشوه حقيقة قضية. فالحماقة مهنة لا تحتاج إلى ترخيص، لكن الدفاع عن الناس يحتاج إلى عقل، والحمد لله أن القلم رفع عن الحمقى، وإلا لكانوا كتبوا تاريخاً من الخراب، لكنهم رفع عنهم القلم، وبقي لنا أن نرفع عنهم راية العزل قبل أن يرفعوا راية الفوضى في قاعات العدل.
( تدوينة نشرت على خلفية جريمة قتل في حق الأصول نفذها محام تبين اصابته باضطرابات عقلية في مصر سنة 2018)

