عِنَاقُ الدُّبِّ: يَجِبُ عَلَى دُوَلِ السَّاحِلِ الْحَذَرُ مِنْ “هَدَايَا” النِّظَامِ الْعَسْكَرِيِّ الْجَزَائِرِيِّ… دِبْلُومَاسِيَّةُ السِّلَاحِ الْمَسْمُومِ… النِّيجَرُ، الْجَزَائِرُ، وَفُوبْيَا فِقْدَانِ النُّفُوذِ فِي السَّاحِلِ

عِنَاقُ الدُّبِّ: يَجِبُ عَلَى دُوَلِ السَّاحِلِ الْحَذَرُ مِنْ “هَدَايَا” النِّظَامِ الْعَسْكَرِيِّ الْجَزَائِرِيِّ… دِبْلُومَاسِيَّةُ السِّلَاحِ الْمَسْمُومِ… النِّيجَرُ، الْجَزَائِرُ، وَفُوبْيَا فِقْدَانِ النُّفُوذِ فِي السَّاحِلِ

عبدالقادر كتـــرة

“إستخدم رئيس وزراء النيجر في كلمته عبارة “الأصدقاء الحقيقيين” في وصف المغرب و روسيا و الصين و تركيا، في إشارة إلى وجود أنظمة و دول قدمت لدولة النيجر يد المساعدة، لكن أيديهم كانت ملطخة بدماء النيجيريين و متورطين في دعم الإنقلابيين الذين حاولوا إسقاط النظام، حيث – و حسب ما نشره الإعلام الفرنسي– فإن الإنقلاب الذي هز العاصمة نيامي يوم 29 غشت، إستخدم خلاله الإنقلابيون مروحيتين من طراز MI-24 اللتان كانتا من ضمن أربع مروحيات أهدتهم الجزائر للنيجر، و حتى الذخائر التي إستخدمت في الإنقلاب كانت جلها جزائرية المصدر.

مع العلم أن الجيش النيجيري لا يمتلك عناصر قادرة على قيادة المروحيتين، و أن من قام بإستهداف القصر الرئاسي بنيامي هم طاقم جزائري كان مكلفا بتدريب ضباط نيجيريين على قيادة المروحيات الأربعة، حيث لا يزال الأشخاص الذين قادوا المروحيات معتقلين مع الانقلابين داخل السجون النيجيرية و اعترفوا – حسب الإعلام الفرنسي– بأنهم تلقوا تعليمات من السفارة الجزائرية بنيامي لإستهداف القصر الرئاسي أثناء عقد الرئيس لإجتماع طارئ”.

ليلة سقوط الشعارات

في ليلة 29 غشت 2026، استيقظت العاصمة النيجرية نيامي على أصوات الرصاص ومحاولة تمرد مسلحة استهدفت القصر الرئاسي. وفي مشهد لم تعتده المنطقة، سارعت الجزائر في اليوم الموالي لإرسال أربع مقاتلات حربية من طراز “سوخوي 30” إلى قاعدة نيامي الجوية، في استعراض عسكري غير مسبوق. في الظاهر، سوّقت الآلة الإعلامية الجزائرية لهذا التدخل على أنه “إنقاذ لحليف استراتيجي” ووقوف لـ”الأصدقاء الحقيقيين” وقت الشدة. لكن، بقراءة متأنية للتحركات الجزائرية الأخيرة في الساحل، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لدول المنطقة، وعلى رأسها النيجر، أن تثق فعلاً في نظام عسكري يبني سياساته الخارجية على تصدير أزماته الداخلية؟

سقوط الأقنعة.. أسطورة “عقيدة عدم التدخل”

لعقود، صدّع النظام العسكري الجزائري رؤوس جيرانه بـ”عقيدة دفاعية ثابتة” يمنع بموجبها دستوره تدخل جيشه خارج حدوده الوطنية، لدرجة أنه استخدم هذه الحجة مراراً للتهرب من التزامات أمنية إقليمية أو لمحاربة الإرهاب في الساحل عندما كان العالم يطالبه بذلك.

اليوم، وبمجرد أن شعر قصر المرادية بتراجع نفوذه الجيوسياسي، تم نسف هذه العقيدة بين عشية وضحاها. إن إرسال طائرات حربية هجومية إلى عمق النيجر ليس دليلاً على القوة، بل هو مؤشر على التخبط. فالنظام الذي يُغير عقيدته العسكرية والتزاماته الدستورية وتوجهاته الدبلوماسية فجأة وحسب المزاج، لا يمكن أن يكون شريكاً استراتيجياً موثوقاً، بل هو فاعل متقلب تحركه ردود الأفعال ومخاوف العزلة.

هدايا عسكرية أم “حصان طروادة”؟

قبل أسابيع فقط من التدخل الجوي، وتحديداً في 9 غشت 2026، أهدت الجزائر أربع مروحيات عسكرية للنيجر. قد يبدو الأمر في ظاهره تضامناً إفريقياً، لكن التاريخ القريب يثبت أن “هدايا” النظام الجزائري دائماً ما تكون ملغومة بشروط سياسية قاسية.

لا يتعامل النظام العسكري مع دول الساحل كشركاء سياديين، بل ينظر إليها كـ”حديقة خلفية” أو كأوراق لعب في صراعه الإقليمي. هذه المقاربة الأبوية الاستعلائية هي التي دفعت دولاً مثل مالي في وقت سابق إلى طرد الوساطة الجزائرية واتهامها علناً بالتدخل السافر في شؤونها الداخلية ودعم جماعات مسلحة لابتزاز الحكومة المركزية. التدخل الأخير في النيجر يثير مخاوف حقيقية من أن يتحول التواجد العسكري الجزائري إلى “حصان طروادة” يفرض وصاية أمنية على نيامي تُصادر قرارها السيادي.

عقدة الأطلسي وصراع البقاء

لا يمكن فصل الاندفاع العسكري الجزائري نحو النيجر عن حالة “الفوبيا” التي تعيشها الطغمة العسكرية الحاكمة تجاه النجاحات الدبلوماسية لدول الجوار، وعلى رأسها المملكة المغربية. فالمبادرة الملكية الأطلسية التي تهدف إلى منح دول الساحل (بما فيها النيجر) منفذاً نحو المحيط الأطلسي لفك عزلتها الاقتصادية، ضربت النظام الجزائري في مقتل وعرّت إفلاسه التنموي.

التدخل الجزائري في النيجر ليس موجهاً لحماية الشعب النيجري، بل هو محاولة يائسة لفرض طوق أمني لمنع النيجر من الانخراط في مشاريع التنمية الإقليمية الكبرى الموازية، ومحاولة لفرض مسار إجباري لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي تستخدمه الجزائر كورقة ابتزاز سياسي أكثر من كونه مشروعاً تنموياً واقعياً.

حليف تحكمه هواجس البقاء

إن الخطر الحقيقي الذي يواجه دول الساحل اليوم لا يتمثل فقط في الجماعات المتمردة، بل في الارتهان لنظام يبحث عن “أعداء خارجيين” أو “انتصارات وهمية” لتبرير قبضته الحديدية في الداخل. الدبلوماسية التي تدار بعقلية الثكنات لا تجيد بناء شراكات اقتصادية أو تنموية، بل تتقن فقط لغة السلاح، تمويل الميليشيات الانفصالية، وخلق بؤر التوتر.

يجب على صناع القرار في إفريقيا أن يدركوا أن النظام العسكري الذي يقمع طموحات شعبه في الداخل، ويفشل في توفير أبسط متطلبات العيش الكريم لمواطنيه رغم ثروات المحروقات، لا يمكن أبداً أن يكون مصدراً للأمن والتنمية لجيرانه. “الأصدقاء الحقيقيون” هم من يبنون الطرق، يفتحون الموانئ، ويشاركون ثمار التنمية، وليس من يرسلون المقاتلات الحربية لفرض الوصاية واستعراض العضلات.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *