مِنَ الزَّلِيجِ إِلَى “الْخَلِيعِ”.. كَيْفَ تَحَوَّلَتِ الْمَائِدَةُ الْمَغْرِبِيَّةُ إِلَى هَدَفٍ لِلسَّطْوِ الْجَزَائِرِيِّ الْمُمَنْهَجِ؟.. “الْخَلِيعُ” لَيْسَ “قَدِيداً”.. قِصَّةُ سَطْوٍ إِعْلَامِيٍّ جَدِيدَةٌ تَنْضَمُّ لِسَرِقَاتِ الْقُفْطَانِ وَالأَرْكَانِ…
عبدالقادر كتـــرة
لم يعد الصراع بين الدول يقتصر على الحدود الجغرافية أو السياسية، بل امتد لـ “القوة الناعمة” والتراث اللامادي. فالمطبخ، واللباس، والعمارة هي وثائق تاريخية حية تحكي قصة الشعوب وتجذرها في التاريخ.
في الآونة الأخيرة، تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع لبرامج تلفزيونية من الجارة الشرقية (الجزائر)، تحاول بوضوح وإصرار تمرير مصطلح “الخليع” وإسقاطه على اللحم المجفف (القديد)، في محاولة مكشوفة لـ”تأميم” طبق مغربي خالص، مما يطرح تساؤلات عميقة حول ظاهرة السطو الممنهج التي تستهدف كل ما هو مغربي.
خصوصية “الخليع”.. كيمياء الطبخ المغربي الأصيل
– التفريق بين القديد والخليع: يجب توضيح أن “القديد” (اللحم المملح والمجفف في الشمس) هو ممارسة إنسانية بدائية اشتركت فيها كل شعوب الأرض لحفظ اللحوم. أما “الخليع” فهو ابتكار حضري مغربي معقد، ارتبط بمدن عريقة كفاس، مكناس، ومراكش.
– سر الصنعة: “الخليع” ليس مجرد لحم مجفف، بل هو عملية “كيميائية” دقيقة تبدأ بالتجفيف، ثم الطهي البطيء لساعات طويلة في خليط مدروس من الشحم المذاب (ليدام)، زيت الزيتون، القزبر اليابس، الثوم، والكمون، حتى يتبخر الماء تماماً، ليُحفظ بعدها في طبقة من الدهن تعزله عن البكتيريا لسنوات.
– الرمزية: ارتبط الخليع تاريخياً بتموين القوافل التجارية المغربية، وبمخازن الأسر العريقة، ودخل في صلب وصفات مغربية كـ(البيض بالخليع، الرغايف، والحرشة). هو إذن “علم” طهوي مغربي وليس مجرد تجفيف عشوائي للحم.
السطو الممنهج.. من المعمار واللباس إلى المائدة
– ربط السياق: ما يحدث اليوم للخليع ليس صدفة، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من محاولات الاستحواذ الثقافي الممنهجة لتغطية عجز تاريخي في إنتاج حضارة محلية عميقة.
– أمثلة صارخة للتذكير:
– الزليج: كيف حاولت جهات خارجية تبني الزليج الفاسي ذي الألوان والأشكال الهندسية المعقدة (والذي يتطلب حرفيين “معلمين” توارثوا الصنعة لقرون) ونسبه لنفسها.
– القفطان: محاولات استنساخ القفطان المغربي (برباطه، وعقاده، وسفيفته) وتسجيله أو تسويقه بأسمائهم، رغم أن العالم بأسره يعرف “القفطان المغربي” كعلامة مسجلة تتألق بها نجمات العالم.
– شجرة الأركان: محاولة السطو على شجرة مستوطنة جغرافياً في جنوب المغرب فقط، ومحاولة خلق روايات وهمية عن وجودها خارج المملكة.
– الحلويات الأصيلة: السطو على “كعب غزال” (ذو العجين الرقيق ونكهة ماء الزهر وروح اللوز الممزوج بالمسكة الحرة) و”المحنشة”، وتغيير أسمائها أو تبنيها كما هي في برامجهم التلفزيونية.
صناعة “التراث الوهمي” عبر التلقين الإعلامي
– تحليل الآلية: يعتمد السطو الحديث على استراتيجية “التكرار والتلقين”. يتم توظيف قنوات الطبخ والبرامج التلفزيونية لاستضافة سيدات يُطلب منهن (وأحياناً يتم تصحيح كلامهن مباشرة على الهواء) استعمال أسماء مغربية كـ “الخليع” أو “كعب غزال”، بهدف خلق “أرشيف رقمي وبصري”.
– الهدف: استغلال هذا الأرشيف المصطنع لاحقاً في نقاشات إثبات التراث، ومحاولة إيهام الأجيال الصاعدة والجمهور العربي أن هذا التراث “مشترك” تمهيداً لنسبته إليهم بالكامل.
كيف نحمي “الماركة المغربية”؟
– المسؤولية القانونية والمؤسساتية: ضرورة تحرك الجهات الوصية (وزارة الثقافة، وزارة الفلاحة، المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية) لتسريع تسجيل كافة الطبخات والمنتجات المغربية كـ “مؤشرات جغرافية محمية” (IGP) لدى المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، مما يمنع استغلال أسمائها تجارياً من طرف دول أخرى.
– التوثيق الأكاديمي: دعم الباحثين في تاريخ الطبخ المغربي (الذي يعود للدولة الإدريسية والمرابطية والموحدية وصولاً للعلويين) لإصدار موسوعات مترجمة بلغات أجنبية.
– الدبلوماسية الرقمية: الإشادة بوعي “المواطن المغربي الرقمي” (اليوتيوبرز، صناع المحتوى، والنشطاء) الذين أصبحوا يشكلون خط دفاع أول بالصورة والفيديو والوثيقة التاريخية لصد هذه الهجمات.
خلاصة القول، التراث لا يُخلق في استوديوهات التلفزيون الموجهة، ولا يُصنع بالتلقين ومقاطعة الضيوف لتلقينهم أسماء أطباق الجيران.
التراث هو تراكم لقرون من الاستقرار، ورعاية السلاطين، وإبداع الحرفيين، وذوق الأمهات والجدات. “الخليع” سيبقى فاسيّاً مغربياً يفوح بعبق التاريخ، تماماً كما أن القفطان سيظل يعانق أجساد المغربيات بشموخ، والزليج سيبقى شاهداً على براعة الصانع المغربي.
وما محاولات السطو المتكررة إلا اعتراف ضمني بهيمنة وعظمة الثقافة المغربية وعجز الآخر عن مجاراتها.
فيديو للمشاهدة
https:/
/vt.tiktok.com/ZSbAPA8xA/

