قَطَرٌ تَدْفَعُ قِيَادَةَ “حَمَاسَ” لِمُغَادَرَةِ الدَّوْحَةِ والْجَزَائِرُ تَرْفُضُ اسْتِقْبَالَهَا… فِلَسْطِينُ بَيْنَ رَنِينِ الشِّعَارَاتِ “ظَالِمَةً أَوْ مَظْلُومَةً”وَبُرُودَةِ السِّيَاسَةِ: لِمَاذَا أَوْصَدَتْ عَوَاصِمُ العَرَبِ أَبْوَابَهَا؟ ..
عبدالقادر كتـــرة
في عالم السياسة، غالباً ما تكون الأفعال الصامتة أبلغ من الخطابات المدوية. وتأتي الأنباء الأخيرة حول استعداد قيادة حركة “حماس” لمغادرة العاصمة القطرية الدوحة، والبحث عن مستقر جديد، لتكشف الغطاء عن حقائق جيوسياسية لطالما اختبأت خلف ستار كثيف من الشعارات العاطفية.
لم يكن خروج الحركة من قطر مفاجئاً للمراقبين؛ فالدوحة، التي لعبت دور الوسيط الحصيف لسنوات، وجدت نفسها أمام ضغوط أمريكية وغربية متصاعدة، جعلت من استضافة المكتب السياسي لحماس “عبئاً سياسياً” يفوق العوائد الدبلوماسية، خاصة في ظل تعثر مفاوضات وقف إطلاق النار. انسحاب حماس من الدوحة يبدو انسحاباً تكتيكياً متفقاً عليه، يحفظ لقطر ماء وجهها، ويجنبها إحراجاً إضافياً مع حلفائها الغربيين.
ولكن المشهد الأكثر إثارة للتأمل في هذه التحولات، لم يكن في خروج حماس من الدوحة، بل في الوجهات التي أُغلقت في وجهها.
فقد أشارت تقارير متطابقة إلى أن الحركة طرقت أبواب الجزائر، الدولة التي لطالما صدحت حناجر مسؤوليها بالشعار التاريخي الخالد للرئيس الراحل هواري بومدين: “نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”. إلا أن الرد جاء بصمت مطبق، وتجاهل للمطلب، لتضطر بوصلة الحركة للاتجاه نحو تركيا كخيار أخير.
هذا الموقف يطرح تساؤلاً مشروعاً ومؤلماً في الشارع العربي: أين ذهبت الشعارات؟ وهل تحولت القضية الفلسطينية إلى مجرد مادة للاستهلاك المحلي والمتاجرة بالمبادئ؟
لفهم هذه المفارقة الصادمة، يجب أن نعترف بأننا نعيش في عصر “الواقعية السياسية” الباردة، لا عصر الرومانسيات الثورية. الدول في تركيبتها الحديثة لا تدار بالمبادئ المطلقة، بل بموازين الربح والخسارة، وحسابات الأمن القومي. استضافة قيادة حماس اليوم، في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر، تعني استدعاءً مباشراً للضغوط، والمقاطعات، وربما استدراجاً لعمليات استخباراتية أو اغتيالات على أراضي الدولة المستضيفة. وهو ثمن باهظ لا تبدو أي دولة عربية، مهما علا سقف خطابها الداعم لفلسطين، مستعدة لدفعه.
لقد كشفت هذه الأزمة بوضوح أن الكثير من الأنظمة تستخدم “القضية المركزية” كأداة لتثبيت شرعيتها الداخلية وامتصاص غضب الجماهير، عبر الإبقاء على لغة التنديد والمقاطعة والدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية. لكن عندما يتعلق الأمر بخطوة عملية تستوجب تحمل تبعات جيوسياسية وأمنية خطيرة، تتراجع الشعارات إلى الخلف، وتتقدم لغة “المصالح العليا للدولة”.
في المقابل، يبرز الاستعداد التركي لاحتواء هذا الانتقال كخطوة براغماتية محسوبة بدقة. أنقرة لا تقدم “شيكاً على بياض”، بل تسعى لامتلاك ورقة ضغط إقليمية تعزز بها نفوذها في الشرق الأوسط. وسيكون تواجد حماس في تركيا مشروطاً ومقيداً بسقف المصالح التركية وعلاقات أنقرة المعقدة مع الغرب، مما يعني أن الحركة قد تفقد جزءاً من حريتها التشغيلية.
في النهاية، ما نشهده اليوم ليس مجرد تغيير في عناوين إقامة قادة سياسيين، بل هو إعلان صريح بسقوط “ورقة التوت” عن الخطاب السياسي العربي المزدوج.
إنها لحظة مكاشفة قاسية تفرض على العقل العربي أن ينضج، وأن يدرك أن الدول ليست جمعيات خيرية ولا قلاعاً للأيديولوجيا، بل هي كيانات تحركها مصالحها الضيقة. أما فلسطين، فلن تجد حليفاً أصدق من إرادة أبنائها على الأرض، بعيداً عن عواصم تفتح أبوابها أو توصدها بناءً على اتجاه الرياح الدولية.

