الإِرْهَابُ يُبَدِّدُ حُلْمَ الجزائر “أُنْبُوبِ الْغَازِ الْعَابِرِ لِصَحْرَاءِ النِّيجَرِ”: مَقْتَل 18 دَرَكِيًّا نِيجِيرِيًّا.. وَسُقُوطِ الضَّمَانَاتِ الْأَمْنِيَّةِ لِلِاسْتِثْمَارَاتِ الْإِقْلِيمِيَّةِ فِي السَّاحِلِ

الإِرْهَابُ يُبَدِّدُ حُلْمَ الجزائر “أُنْبُوبِ الْغَازِ الْعَابِرِ لِصَحْرَاءِ النِّيجَرِ”: مَقْتَل 18 دَرَكِيًّا نِيجِيرِيًّا.. وَسُقُوطِ الضَّمَانَاتِ الْأَمْنِيَّةِ لِلِاسْتِثْمَارَاتِ الْإِقْلِيمِيَّةِ فِي السَّاحِلِ

عبدالقادر كتـــرة

لم يكن يوم الجمعة، 21 غشت 2026، يوماً اعتيادياً في بلدة “تيسا” الواقعة جنوب غرب النيجر.

ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة الحدودية المتاخمة لنيجيريا وبنين تئن تحت وطأة التحديات المعيشية، باغتت مجموعات مسلحة على متن دراجات نارية موقعاً لقوات الدرك الوطني النيجري، في هجوم مأساوي أسفر عن مقتل 18 عنصراً أمنياً على الأقل، وتخريب منشآت محلية.

هذا الحادث، وإن بدا في ظاهره مجرد حلقة جديدة في سلسلة العنف الذي يضرب منطقة الساحل الإفريقي، إلا أنه يحمل في طياته رسائل جيوسياسية واقتصادية تتجاوز حدود النيجر، لتلقي بظلالها الكثيفة على مستقبل المشاريع الإستراتيجية الكبرى في المنطقة، وعلى رأسها مشروع “أنبوب الغاز النيجيري – الجزائري” (TSGP).

– واقع أمني يتحدى الدعم العسكري

تأتي هذه الضربة الموجعة في توقيت حساس للغاية بالنسبة لنيامي وحلفائها. ففي الأسابيع الأخيرة، تلقت النيجر دعماً عسكرياً ملحوظاً من جارتها الشمالية الجزائر، شمل طائرات مروحية ومعدات لوجستية متطورة، بهدف تعزيز قدرات الجيش النيجري على تأمين حدوده الشاسعة وحماية مسارات المشاريع المشتركة.

إلا أن هجوم “تيسا” أثبت مجدداً أن المقاربة الأمنية التقليدية تقف عاجزة أمام تكتيكات “حرب العصابات” التي تتقنها التنظيمات الإرهابية في الساحل (مثل تنظيمي “داعش” و”القاعدة”).

هذه الجماعات لا تزال تمتلك حرية حركة مقلقة تتيح لها توجيه ضربات دقيقة للقوات النظامية، متجاوزة بذلك كل التحصينات والتحالفات العسكرية الجديدة.

– عقدة الجغرافيا وتأمين الأنابيب

يُعد الأمن هو الرأسمال الحقيقي لأي استثمار دولي. وهنا تبرز العقدة الحقيقية أمام مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، والذي يُفترض أن يمتد لآلاف الكيلومترات عبر نيجيريا، مروراً بالنيجر، وصولاً إلى الجزائر ومنها إلى أوروبا.

الهجوم الأخير يقع جغرافياً في مناطق تُعتبر امتداداً حيوياً لمسار هذا المشروع.

بالنسبة للمستثمرين الدوليين وجهات التمويل الكبرى، فإن مرور بنية تحتية تكلف مليارات الدولارات وسط صحارٍ مفتوحة ومناطق غابوية تعجز الجيوش النظامية عن حماية ثكناتها فيها، يمثل “مخاطرة غير محسوبة”. هذا الواقع الميداني الهش يرجح كفة تأجيل، أو ربما تجميد، مثل هذه الاستثمارات الكبرى، ويدفع الفاعلين الدوليين للبحث عن بدائل أكثر أمناً، حتى وإن كانت أعلى تكلفة، كالمسارات البحرية أو الساحلية.

– تداعيات إقليمية مفتوحة

لا تتوقف تداعيات الهجوم عند حدود الاقتصاد، بل تمتد لتعميق الأزمة الجيوسياسية. فمع تمدد رقعة العمليات الإرهابية من بؤرة “المثلث الحدودي” (مالي، النيجر، بوركينا فاسو) لتزحف جنوباً نحو دول خليج غينيا، تجد دول المنطقة نفسها مضطرة لعسكرة ميزانياتها. توجيه الموارد الشحيحة نحو التسلح ودفع رواتب الجيوش يأتي حتماً على حساب التنمية والبنية التحتية، مما يخلق حلقة مفرغة: فقر يغذي الإرهاب، وإرهاب يمنع التنمية.

في الختام، يمثل هجوم “تيسا” جرس إنذار صاخب لكل الفاعلين الإقليميين والدوليين. فلا يمكن الحديث عن تكامل اقتصادي، أو خطوط غاز عابرة للقارات، أو مبادرات تنموية طموحة، على أرضٍ لا تزال رمالها تتحرك على وقع الرصاص.

إن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد يقتصر على إيجاد التمويل للمشاريع، بل في الإجابة على السؤال الأصعب: كيف يمكن بناء تنمية مستدامة في منطقة تفتقد لأبسط مقومات الاستقرار الأمني؟

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *